Loading Player...

22 عاما من الاستبداد

حمد كل – لندن 25 مايو 2013

قديما تندر الارتريون على المستعمرين الذين استعمروهم ، فقالوا :

قال الطليان للارتريين كلوا ولا تتكلموا ، والانجليز قالوا تكلموا ولا تأكلوا ، والإمبراطور هيلى سلاسى قال لا تأكلوا ولا تتكلموا وجاء حاكم ارتريا الحالي وقال لا تأكلوا ولا تتكلموا ولا تتنفسوا وامشوا في الارض منكسي الرؤؤس.

 

مدينة اغردات حكت نادرة حيث قالت في فترة احتلال الانجليز لإرتريا ان شرطة مدينة اغردات اعتقلت مواطننا ارتريا وقدمته للمسئول الانجليزي ، والمسئول الانجليزي سأل الشرطة لماذا اعتقلتم هذا الرجل ؟ فرد رجال الشرطة وقالوا له ان هذا الرجل شتم الملكة البريطانية فاعتقلناه ، فسألهم هل شتيمة هذا الرجل يقلل من قيمة الملكة ؟ او يزيل ملكها ؟ فقالوا له لا ، فقال لهم اذا اطلقوا سراحه .

الحراك الذي حدث في 20 مايو 1993 وعام 1996 ، وعام 2001 و21 يناير 2013 كان كله حراك مطلبي وإصلاحي ، لم يطالبوا بسقوط النظام ورئيسه ، لكن حاكم ارتريا بغروره وغطرسته اعتبر ذلك تجاوزا وتجرءا على الذات الحاكمية فنكل بهم وأدخلهم غياهب السجون لمجرد انهم طالبوا بإدخال اصلاحات في الحكم.

المستبد يشبه المستعمر ، والاستبداد اشبه بقوة احتلال خارجية تتملك الشعب ، المستبد يختصر الوطن في ذاته.

من اين جاء هذا المستبد ؟ من صنع هذا الدكتاتور ؟

الدكتاتور هو صنيعة اناس زينوا له الطغيان فطغى ، الدكتاتور بطبعه ينقلب على الذين صنعوه ، يتحول الى شخص غامض ، متعب لخصومه وأصدقائه على السواء ، خصومه لا يعرفون ماذا سيفعل واصدقائه على قلتهم لا يعرفون كيف يدافعون عنه .

هذه المقدمة تعيدنا الى الوراء لنتناول بعض ما تجود به الذاكرة لنعرف كيف صنع هذا المستبد او الدكتاتور.

وهنا لا يفوتني في هذه المناسبة ان اشيد بتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بذاك المجهود الجبار الذي اتم ذاك الانجاز التاريخي الذي تحقق به الاستقلال ، انا اقول الانجاز التاريخي والبعض يقول التحرير والاستقلال ، في جزء منه التحرير والاستقلال صحيح لكن في كلمة التحرير علينا ان نتذكر ان كلمة التحرير وحتى لا ينسى البعض لها مدلول وبعد تاريخي في الساحة الإرترية فالتحرير بخطواته المتأنية بدأ مع قيام الثورة الارترية بقيادة جبهة التحرير الارترية ، من تحرير نقطة للشرطة الى تحرير مركز في الريف الارتري الى تحرير مدن صغيرة ومعارك فاصلة في الريف الارتري كان الجيش الاثيوبي يخرج منها مهزوما ، وحين انهار تنظيم جبهة التحرير الارترية في اغسطس 1981 كان معظم الريف الارتري محررا وقوات العدو الاثيوبي كانت متمركزة في المدن الكبيرة ومحاصرة ، لكن هذا الحديث لا يقلل من قيمة تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا لأنها انفردت بالساحة الارترية طيلة العشرة اعوام الاخيرة التي سبقت الاستقلال وقاتلت بشراسة ونستطيع ان نقول انها انجزت المرحلة التاريخية التي ناضل الشعب الارتري بكامله من اجلها .

لكن السؤال الذي يبرز هنا ويفرض نفسه ، كيف هذا التنظيم وبكل قواه الوطنية سلم مقاليد امره لشخص واحد؟

والإجابة هنا تتمحور في كلمة واحدة وهي التفريط.

كيف تم ذلك؟

انا هنا قد لا يكون  تقييمي لتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا كاملا لأنني لم اكن عضوا فيه لا في فترة الساحل ولا بعد الاستقلال ، لكن في فترة وجودي وعملي في مفاصل الدولة ومن خلال سماعي ومتابعاتي ومعايشتي في الفترة بعد الاستقلال كانت لي ملاحظاتي لاني ابن تجربة اخرى وتنظيم الجبهة الشعبية في السلوك والممارسة هو ابن نفس البيئة .

ان هذا التنظيم في فترة النضال كانت له قيادة ومؤسسات تنظيمية وهامشا من المناقشات لكنه كان يفتقد الى نوع من الديمقراطية لمحاسبة القيادة ومناقشة المشاكل التي كانت تطل برأسها بين فترة وأخرى ، بل كان تنظيما بنيت اعمدته على الامن والمخابرات ، مثلا : التيارات التي كانت لها اراء واطروحات تتقاطع مع توجهات القيادة كان يتم تهميش طرحها وآراءها بل يصل الى حد التشويه والبتر ويصل ايضا الى حد الاعدام او السجن بدلا من ان تناقش بأسلوب ديمقراطي ووضع الاعتبار للرأى الاخر ممثلا ذلك في التيار الذي شوه باسم ( المنكع) وإعدامات اخرى لما سموهم ( باليمينين) وسجن عدد كبير من خيرة الكوادر .

هذه التيارات التي اعدمت او سجنت لم تقيم تقييما صحيحا بل يمكن القول ان تيارا سحق تيار اخر وقاعدة التنظيم كانت تتلقى وجهة نظر الطرف المنتصر ولم تسأل عن وجهة نظر الطرف الاخر.

هناك حوادث كثيرة وغامضة لم توضح توضيحا كاملا مثل مقتل القائد العسكري الفذ (ابراهيم عافة) .

في المؤتمر التنظيمي الاول للجبهة الشعبية اختير رمضان محمد نور امينا عاما للتنظيم لكن الامين العام المساعد وهو اسياس افورقي كان هو كل شيء ، كان صانع القرار الاساسي والأمين العان كان مهمشا بل كانت الدول الاقليمية التي تتعامل مع الثورة تفضل التعامل مع اسياس افورقي لا حبا في شخصه بل لعلمها انه صانع القرار الاساسي ، والأمين العام لم يحتج على ذلك ولا قيادات وكوادر وقاعدة التنظيم التي انتخبت ذاك الرجل لم تسأل .

في المؤتمر التنظيمي الثاني للجبهة الشعبية ابعدت بعض القيادات التاريخية من المكتب السياسي وركنت في اللجنة المركزية والبعض الاخر لم يجد مكانا حتى في اللجنة المركزية. بعد هذا المؤتمر الذي تقلد فيه اسياس افورقي قيادة التنظيم بدأت سطوته تزداد خطوة بخطوة.

وحتى يتابع معي القارئ في هذا التفريط الذي يتم وانا هنا اتناول نماذج من التفريط ولست مؤرخا لتنظيم الجبهة الشعبية .

الحركة التي قام بها العسكر 20 مايو 1993 أي قبل الاستقلال باربعة ايام كانت حركة مطلبية لكن في توقيتها قد تختلف او تلتقي معها لكنها لم تقيم تقييما صحيحا ونكل بمن قاموا بها ولم يسأل احد عما  تم.

الطريقة التي تمت بها اختيار اسياس افورقي ليكون رئيسا من قبل المجلس الوطني ، كانت طريقة مخزية ولم يتم فيها الترشيح ولا الانتخاب ، هو لم يتحدث بل اخرون من لعبوا ذاك الدور المخجل لكبح جماح الترشيح والانتخاب والادعاء ان ذلك اسلوب الجبهة الشعبية ، لا نود ذكر اسمائهم وقد ندموا على ذلك.

كيف قبلت كل قيادات وكوادر التنظيم ان اسياس رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء ورئيسا للمجلس الوطني والقائد العام للجيش ورئيسا للتنظيم؟

جاء المؤتمر التنظيمي الثالث في العام 1994 في ظل الاستقلال وعقد في ( نقفة) في هذا المؤتمر ظهر النفوذ الواضح لاسياس افورقي حيث ازاح القيادة التاريخية للتنظيم او ما كان يسمونهم اعضاء المكتب السياسي وتم ركنهم في المجلس المركزي تحت زعم ان من يكون وزيرا او موظفا كبيرا في الحكومة لا يحق له ان يكون عضوا في المكتب التنفيذي وهي قولة حق كان يراد بها التقليل من قيمة تلك القيادة التاريخية للانقضاض عليهم في فترة لاحقة ولم تفطن كوادر وقاعدة التنظيم لذلك ، وتم انتخاب عناصر من الصف الثاني والثالث وآخرين ما دون ذلك استثني من المكتب السياسي القديم الامين محمد سعيد ليكون سكرتيرا للجبهة الشعبية وابتدعوا اسما جديدا منافي لسلوكهم وسموه ( الديمقراطية والعدالة) ووضعوا معه عناصر مرتبطة ارتباطا وثيقا باسياس افورقي وهم يماني قبراب وحقوص كشة و اعطي عبدا لله جابر منصبا وهميا لكن الفاعلين هما يماني قبراب وحقوص كشة ليبقى الامين محمد سعيد واجهة غير فاعلة.

وبدأ اسياس افورقي بعد المؤتمر يتلاعب بالوظائف الكبيرة حيث بدأ يحشد فيها عناصر طيعة له وتهميش القيادات التاريخية للجبهة الشعبية ، وكان ذلك ابتزازا للمناضلين حتى لا ترتفع اصواتهم واحتجاجاتهم .

وبدأ تطبيق لغة الام في المدارس في مواجهة اللغة العربية ومهد لها بتقسيم الشعب الارتري الى تسع قوميات وواجه التعليم في ارتريا انهيارا غير عادي خاصة ابناء القوميات الثمانية حسب تصنيفهم للشعب الارتري ، الان بعد هذا الخراب بدأ التراجع .

في تلك الفترة التي كان يطبق فيها تعليم لغة الام كنا نشاهد بعض الغير ناطقين بالتقريبية وتعنيهم اللغة العربية يدافعون دفاعا حد الاقتتال وبكل تباهي عن مشروع لغة الام ، الان تراجعوا اذلاء والبعض منهم بدأ يكتب مذكراته باللغة العربية. وبدأ يماني قراب وسيد نعمته يتفاخرون بإلقاء الخطب باللغة العربية امام الوفود السودانية الحكومية منها والمعارضة.

كنا نسأل في تلك الفترة وارتريا حديثة الاستقلال من أقر هذا العلم الجديد ولا تجد اجابة شافية بل البعض ينظر اليك بنوع من الارتياب ، نقول لهم انتم تقولون اننا لا ندخل الجامعة العربية إلا بعد اختيار برلمان ارتري منتخب وهو الذي يقرر ، نقول لهم من باب اولى كان يجب ان ننتظر انتخاب هذا البرلمان لأنه هو الذي يقر العلم الارتري . ومن غرائب الاشياء يصدر مرسوما عن الارض في ظل غياب البرلمان ، على اى شرعية يستند هذا المرسوم ، ولا تجد من يجيبك على هذا السؤال الكل يتفرج ثم ينفذ.

أسست بعد الاستقلال عدة مفوضيات وكلها مرتبطة بمكتب الرئيس...

مفوضية اللاجئيين

تسمع ان هناك دعما قدم من منظمات دولية لإعادة اللاجئين لكن النقاشات التي كانت تدور في اروقة مفوضية اللاجئين الارترية تشعرك ان هناك نفس غير صحي وتأمر ومخططا لعدم استيعاب كل أللاجئين مثلا تسمع ان اللاجئين الموجودين في المسكرات يمكن اعادتهم اما الذين سكنوا واستقروا في المدن السودانية فهؤلاء اصبحوا جزاء من النسيج السوداني ولا تنطبق عليهم صفة اللاجئ بل البعض وصل في التشكيك في ارتريتهم وللأسف ان بعض من كان يتشدق بذلك هو جزء من ذلك النسيج المستهدف .

كانت المنظمات الدولية الداعمة لعودة اللاجئين تقول ان اللاجئ الذي يعود الى قريته يجب ان تقدم له المساعدات لمدة عام حتى يعتمد على نفسه ، وتقدم له الخدمات من حفر ابار وبناء سكن والمساعدة لزراعة ارضه وخدمات اخرى من ضمنها الصحية والتعليمية .

بعض اللاجئين الراضية عنهم المفوضية الارترية سكنوا في اماكن تتوفر فيها سبل الاقامة اما الاخرين وضعوا في اماكن جرداء فعانوا من العطش والمساعدات المتقطعة والهدف من ذلك لدفعهم من حيث اتوا.  مفوضية الدستور:

عند تعين مفوضية الدستور قيل وقتها لو اعتذر دكتور برخت من رأستها لأصبح رئيسها ( سيوم حرقوت اباى) لكنه اصبح لاحقا عضوا فيها .

سيوم حرقوت اباى هو ذاك الشخص الذي كلفه الامبراطور هيلى سلاسى على راس وفد للذهاب الى باكستان للمطالبة بتسلم المناضلين الذين اختطفوا الطائرة الاثيوبية وكانوا وقتها يسمون انفسهم بمنظمة (عقاب) ونزلوا بها في الباكستان وكان يقودهم المرحوم على سيد عبدا لله ، وبكل اسف وقت اختيار سيوم حرقوت اباى عضوا في مفوضية الدستور كان المرحوم على سيد عبدا لله وزيرا للداخلية في الحكومة الارترية ولم يحتج .

بعد المؤتمر الثالث للجبهة الشعبية 1994 رفع شعار الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة لكن بعد هذه الفترة بوقت غير قصير يفاجئنا وفي صحيفة ارتريا الحديثة محمد طاهر بادوري بكتابة قانون الصحافة ، وهو في الحقيقة ليس قانون صحافة بل كان قانون عقوبات للصحافة .

الفترة ما قبل الاستقلال بسنوات شهدت مدينة كسلا والخرطوم اغتيالات ومحاولات اغتيال لقيادات جبهة التحرير الارترية وبعد الاستقلال استمرت الاغتيالات والاختطافات من مدينة كسلا وبورتسودان . وفي داخل ارتريا بدأت الاعتقالات تأخذ شكل اختطاف سري ، اما ان تنتظر اجهزة الامن احدهم ليلا وتخطفه دون ان يراه احد ولا يعرف ذويه من اختطفه واين هو والبعض الاخر اما ان يؤخذ من محل عمله او سكنه وليس هناك محاكم . اما اختطاف المناضلين الذين يعارضون النظام من مدينة كسلا مازال مستمرا.

بعد هذه الفترة ازدادت الاختطافات والاعتقالات في داخل ارتريا حيث تم اعتقالات اساتذة المعاهد الدينية في كرن وقندع واغردات ومنصورة ومدن اخرى . اعتقال كبار السن في مصوع من مسئولي اوقاف مدينة مصوع ، ثم تطور الامر حيث تم ازاحة بابا الكنيسة الارثوزكسية ، وطلب كشفا كاملا لكل ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية لمصادرتها ، واستمرار اضطهاد طائفة ( الجهوفة والبينت كوست) ولم يسأل احد.

استمرت الاعتقالات وزاد عدد السجون وأعطيت صلاحيات لقادة العمليات العسكرية الخمس لفتح سجون في مواقعهم وهى سجون تحت الارض وليست هناك محاكم ولا يعرف اهل المعتقل اى جهة اعتقلت ابنهم او ابوهم وإذا سألوا الجهات المختصة يرد عليهم ردود غامضة وكأن ارتريا تمر بعهد العصور الوسطى ، بعد هذا كله يتهم حاكم ارتريا جهات اجنبية تحرض الشباب للهروب في خطابه الاخير بمناسبة مرور 22 عاما من الاستقلال .

الحركة التي قام بها جرحى حرب التحرير عام 1996 هى في الاصل حركة احتجاج لتحسين اوضاعهم لكن حاكم ارتريا اعتبر ذلك خروجا على الطاعة فأصدر اوامره لضربهم بالرصاص الحى ومات عددا منهم ، هؤلاء هم انبل المقاتلين وأصيبوا في ساحات المعارك من اجل تحرير ارتريا ولم يسأل او يحتج احد ، وحادثة اخرى حدثت في ( عدي ابيتو) وهى ضاحية من ضواحى العاصمة اسمرا كان فيها عدد كبير من طلاب الخدمة تم احتجازهم واحتجوا على ذلك فتمت ابادتهم دون ان يرف جفن للقائد الذي اصدر اوامره لقتلهم.

كانت في تلك الفترة اى بعد الاستقلال بسنة او سنتين لا يعقد اجتماع لمجلس الوزراء إلا بعد فترة طويلة ، وحين سئل حاكم ارتريا عن ذلك قال وببرود هذه تقاليدنا في الجبهة الشعبية ، ومنذ تشكيل الوزارة بعد الاستقلال وحتى هذا التاريخ ليس هناك ميزانية للدولة تعلن بداية كل عام جديد ولم يسأل احد .

كان العالم يندهش ويستغرب ، دولة صغيرة حديثة الاستقلال نالت استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثون عاما ، تدخل من جديد في حروب مع اليمن والسودان وجيبوتي في ان واحد ، ودخلت ارتريا في حرب ضروس مع اثيوبيا وليس هناك مجلس حرب او بما يسمى بمجلس امن قومي لإدارة الحرب بصورة جماعية ، هو الذي يقرر الحرب والسلام دون الرجوع الى اى جهة ، وهكذا ضاعت ( حنيش ) و ( بادمي) وأراضي اخرى اخرها في 13 مارس 2012 يوم دخل الجيش الاثيوبي الى العمق الارتري 18 كلم ولم يتصدى له احد ، ولن نفاجأ ان ذهب ميناء عصب ومعه باب المندب .

عدد كبير يقدر فوق الخمسين من ضباط الجيش وعدد كبير من الدبلوماسيين وموظفي الخدمة المدنية تصرف لهم المرتبات لكنهم مجمدين او ما يسمونهم ب ( دسكولات) . ومرتبات قررت عام 1994 لكل موظفي الدولة ولم تحدث اى علاوات منذ ذلك الزمن في الوقت الذي ازدادت فيه اسعار المواد التموينية عشرات المرات .

الجنرالات وعمداء وعقداء الجيش وضباط المخابرات والأمن المقربون ينهبون خزائن الدولة ويعيشون حياة مترفة وهم وأسرهم وموازنات كبيرة تعتمد لشراء الاسلحة على حساب قوت المواطن الذي يعيش تحت خط الفقر .

توقف الصرف على التنمية منذ فترة طويلة وبدأ الصرف على التوسع في الاجهزة الامنية والمخابرات والاهتمام والتركيز على القوات الخاصة              الساحل الذي كان يعتبر الخلفية والمتراس للجبهة الشعبية ومدينة ( نقفة) التى كانوا يتباهون بها وسموا عملتهم باسمها ، هذا الاقليم ليس له حتى هذا التاريخ طرق معبدة ولا تنمية ، اقليم بركه والقاش فقط سفلتوا الطريق الذي عبده الطليان وأقاموا بعض المشاريع والتي من شأنها تغيير طبوغرافية الارض يسكان اخرين ، الان كل المدن الارترية منذ استعمار الطليان وحتى بداية الاستقلال التى كانت تنعم بالمياه والكهرباء هذه المدن تعاني الان من انقطاع المياه والكهرباء ، اما معظم المشاريع في كل انحاء ارتريا فقد انهارت بدءا من المشاريع الزراعية وأوهام مشاريع السكر وطريق مصوع – عصب والسوق الحر في مصوع والمال الذي اهدر في مطار مصوع والذي لم تعترف به شركات الطيران العالمية وسكة الحديد الوهمية وتلك المراسي في ( قلعلو) و (طيعو) وغيرها على زعم انهم سيبيعون الاسماك الى الشركات العالمية ، في ظل هذه الازمة كيف سيكون حال التعليم وتجد في المستشفيات مريضين يشتركان في سرير واحد وليس هناك دواء .

هربت من الوطن كل الكفاءات التي تحمل الشهادات العليا والخبرات وهرب الشباب عماد التنمية في البلد الى كل اصقاع العالم صاحبه موت اعداد كبيرة منهم في الصحاري والبحار ولازمته تجارة البشر وبيع اجزاء من اجسامهم ، وما زال البعض يزمر ويقول ( النصر للجماهير) و (الديمقراطية والعدالة) مصحوبة باوهاوم التنمية لكن التنمية على لسانهم وأعلامهم والخدمة الوطنية هي وجه اخر لتجارة البشر .

حاكم ارتريا لا يهتم كثيرا بضياع الوطن وفقر المواطن وسجن الناس وإعدامهم وهروب الشباب بل وصل به الامر في اعوام 2004-2005 ببيع جواز السفر وهو الذي يعتبر هوية وطنية ، وجواز السفر يمكن ان تمنحه لبعض اللاجئين السياسيين من دول الجوار او لاجئ سياسي ذا شأن كبير له اعتباره ، اما ان تبيعه في الكويت بشكل تجاري لجماعة ( البدون) فذاك كان اساءة بالغة لهويتك الوطنية ، ونحن نحترم دولة الكويت لكن اسلوب حاكم ارتريا في بيع الجوازات كان مستهجننا ، لا نتحدث عن اسلوب حاكم ارتريا ومخابراته وهم يمارسون ويتفوقون على ( المافيا) من عمليات التهريب وغسيل الاموال وابتزاز الارتريين .

مارس حاكم ارتريا اعلى درجات الغطرسة في العام 1998 خاصة مع بداية الحرب مع اثيوبيا حيث قال : ( ان بادمي لو استولى عليها الوياني ستشرق الشمس من الغروب ثم وصف قيادة ( الوياني) ب ( الصفيح الفارغ اى ليست لهم عقول لكن بعد عام واحد بدأ بريق ونجم حاكم ارتريا بالأفول فترة بعد فترة ، ففي بداية عام 1999 استولت (الوياني) على ( بادمى) وبدأ الناس في اسمرا يتقبلون حديثه في التلفزيون بنوع من الفتور وشهدت اوساط الشعبية نوع من اللقط والهمهمة والاستياء ، وبدأت الشعبية وقواعدها تتلفت اليمنى واليسرى وبدأ السخط يتزايد لكن الكارثة الكبرى كانت في العان 2000 حيث توغل جيش ( الوياني) داخل العمق الارتري واحتلاله لمدينة (بارنتو) و(تسني) و(صنعفى) وأصدر حاكم ارتريا اوامره السرية للعودة من جديد الى الساحل ولان الهزيمة ليست لها اب وكانت كالبركان الذي انفجر.

زادت التساؤلات، من يتحمل مسئولية الهزيمة وانفجر الوضع من جديد وعبر عنه 15 قياديا من الشعبية  طالبوا باجتماع للجنة المركزية لمناقشة كيف حدثت الهزيمة وكان هناك موضوع اخر في السابق لم يبت فيه لان حاكم ارتريا كان يماطل فيه وهو اقامة  لجان متخصصة من المجلس الوطني ، باقي التفاصيل معروفة للقارئ لكن يمكن ان نقول ان الترهل بدأ داخل النظام اما مؤسسة الشعبية فقد انتهت بعد اعتقال ال 15    قياديا وبالتحديد بعد شهر سبتمبر 2001، منذ ذلك التاريخ والى الان لم تجتمع اللجنة المركزية ولا المكتب التنفيذي ، فقط بقت وجوه سكرتارية المكتب التنفيذي ومناد يبهم في الاقاليم بلا قاعدة جماهيرية وبدأ النظام يعتمد اعتمادا كليا على اجهزة الامن والمخابرات التي توسعت وتمددت لتحصي انفاس الناس ، وجيش قسم الى خمس مناطق عمليات وأعطوا صلاحيات مطلقة من شأنها الغاء صلاحيات حكام الاقاليم ، هذه السلطة المطلقة افسدت جنرالات الجيش ثم في فترة لاحقة بدأ حاكم ارتريا يلعب سياسة فرق تسد بينهم ، وهكذا اصبح البعض مقربا والبعض الاخر مهمشا بل الادهى من ذلك ان حاكم ارتريا بدأ يرفع ضباطا ما دون الجنرالات ليحتلوا مواقع الجنرالات المهمشين ، ليلقى الجنرال المهمش نفسه يتسكع في شوارع اسمرا او يجلس محبوسا في منزله ويحدث ذلك في الشرطة والأمن والمخابرات .

بعد ازدياد الهروب من الجيش بدأ حاكم ارتريا يصدر اوامره بانتقاء شباب من مجندي الخدمة الوطنية لإعطائهم دورات خاصة لإقامة قوات خاصة ( الكوماندو) وترتبط قيادتهم به مباشرة وزاد لهم المرتبات بينما باقي الجيش بقى بمرتبه القليل .

حاكم ارتريا لم يتعظ من كل الحركات التي نادت بالإصلاح والتغيير ، ما زال يحكم بالأمن والقمع ، وتراكم جبال من الاخطاء والخطايا ، متشبث بكرسي زائل لا محالة ، وهو يحاول ان يعيد انتاج نفسه بأقنعة مختلفة وفق ظروف كل مرحلة والتكييف معها .

جان جاك روسو يقول:

ان الانسان الغير قابل للتغيير الموضوعي غير قابل للتطور الحضاري.

لقد كان القذافي صنيعة اناس زينوا له الطغيان فطغى ، حاكم ارتريا لم يتغير ، قابل الاحتجاج السلمي والمطالب بالقمع والقتل والترويع ، حاكم ارتريا في انغلاقه وجهله و( اميته) عاجز عن التفكير وإدراك المتغير وفي مقدمتها تراجع مبدأ السيادة امام حقوق الانسان.

الواقع كالشمس لا يمكن اخفاءه بأصابع اليد ، لم يعد بالإمكان اخفاء السجون من منظمات حقوق الانسان ، لا يمكن اخفاء معانات الانسان الارتري داخل او خارج ارتريا عن عيون العالم وتلك الوفود الدولية التي تطارد نظامه .

كل الجرائم التي يرتكبها النظام داخل ارتريا تفضح ، هناك حصان طروادة ( الالكتروني) الذي ادخله النظام بنفسه الى ارتريا بذريعة العصرنة الزائفة ، هذا الحصان هو الذي يتولى الان فضح كل جرائمه عبر مئات مواقع التواصل الاجتماعي .

وفي مجال العلاقات الدولية يا حاكم ارتريا تعيش عزلة تامة على المستوى الاقليمي والدولى ومطارد من قبل منظمات حقوق الانسان الارترية والدولية ومنظمات المجتمع المدني ومنظمة العفو الدولية وعقوبات مجلس الامن ، بدأت تتنفس فقط عبر السودان اما سفاراتك في الخارج فقد عشعشت فيها العناكب .

ربما يشعر القارئ ان ما كتبناه معروف ومكرر لكن الاهم من ذلك هو ان نتعظ كى لا ننتج مستبدا او دكتاتورا اخر ، هذا الدكتاتور زائل لا محالة لكن ارتريا المستقبل يجب ان يكون الدستور رائدها والقانون والمحاسبة والشفافية منهجها حتى نتمكن من بناء دولة العدل والمساواة .

نقول كل عام وانتم بخير بتفاؤل لكن الاعوام الماضية كان طعمها كالحنظل ، لكن ارادة الانسان الارتري عبر التاريخ لم تنكسر ، فبعزيمة شيبنا وشبابنا سيسقط الطاغية وسيبقى الوطن لأبنائه عزيزا مكرما بدماء وتضحيات مناضليه ، وارتريا على وعد مع فجر جديد ، وراياتنا عالية تعانق السحب.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1