معايير اختيار الشريك في الحياة الزوجية  (1)

بقلم : حنان محمد صالح

Selection and criteriaتزوجت رجل في عمر والدها قريبتي الطفلة نطقت بهذه العبارة وفي نبراتها الاستنكار وذلك تعليقاً على مسلسل تركي كانت تشاهده . ضحكت من كلماتها وتعجبتُ من ملاحظتها وتعليقها بهذه الطريقة . قبل أيام كنت أشاهد صور الفنان الأثيوبي " تيدي أفرو " مع زوجته الجميلة . بالرغم إني لا استمع لأغانيه لكن صفحات الشبكات العنكبوتية التي تنتقل بنا من صفحة لأخرى ،

وبسبب البقايا المغلوطة للمعايير الوهمية للعلاقات الانسانية في اللاوعي علقتُ مباشرةً بيني وبين نفسي  "هي أطول منه .. " وكان الأمر له أهمية في العلاقة الزوجية !!

 

في مجتمعاتنا في العالم الثالث نجعل معايير  للعلاقات الإنسانية وخاصة  الزواج واختيار الشريك . فالمرأة لابد أن تكون أصغر سناً من الرجل بسنوات وربما بأكثر من عقد عند البعض وهذا تحت بند إن المرأة تكبر ويهرم جسدها بسرعة بسبب الحمل والولادة أو تحت مظلة كلما كانت صغيرة يكون التعامل معها أسهل " وتعجنها على كيفك !" . من ناحية أخرى لابد أن تكون أقصر من الرجل حتى لا يشعر بحرج حين يقف معها وأن تكون جميلة جداً بصرف النظر عن ملامح الرجل فعند البعض جماله محصور في جيبه . ويرى آخرون جمال المرأة في بياض بشرتها فقط وإن كانت ملامحها غير جميلة  . وعند البعض لا يعقل أن يتزوج الشاب الذي لم يسبق له الزواج بامرأة مطلقة أو أرملة في حين يحق للرجل المطلق أو الأرمل أن يتزوج الفتاة العذراء الصغيرة دون أي حرج  وحتى إن كان في عمر جدها . أصبح الولد والفتاة منذ طفولتهما يتبرمجان على هذه الصفات السطحية وكأنها هي الصفات الأساسية لاختيار الشريك بصرف النظر عن المستوى التفكيري للشريك والميل العاطفي والانسجام الروحي . وإذا كسر شخصٌ هذه المعايير الوهمية وتزوج بمن أختارها بعاطفته وعقله ﻻ يسلم من الألسن كأنه ارتكب جرماً اجتماعياً أو مارس محرماً. وكأن هذه المعايير أصبحت مقدسات ﻻ يمكن المساس بها أو تغيرها. نعطي لآراء المجتمع أهمية أكثر من اهتمامنا بما نريده وما يحقق لنا سعادتنا. لذا مازال البعض ﻻ يرتبط إلا بقريبته أو من قبيلته ، مع مواصفات بعينها يرددها منذ أن كان مراهقاً وفقاً لاملاءات مجتمعية ترسبت في اللاوعي.

في حديث للمصطفى عليه الصلاة والسلام   قال : " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف " . تنجذب الأرواح لمن يشابهها ويماثلها وترتاح وتنبهر وتنسجم  لمن يماثلها فكرياً وإنسانياً بغض النظر عن الأصل والنسب والجنس واللون ، وهذه الألفة هي التي نسميها " الكيماء " بين الأفراد والتي لانعرف لها سبباً واضحاُ .  أما أن ترتاح وتنجذب للآخر أو تنفر وتبتعد . ولذا حلل الشرع الاسلامي النظرة الشرعية عند الخطوبة حتى إن ظهرت الألفة  والاستحسان من الطرفين يتم الزواج ، والتي مازال كثير من الآباء في المجتمعات المغلقة يرفضونها بحجة إنهم من مجتمعات محافظة !!

لكن نجد إن زواج قدوتنا وسيدنا محمد عليه الصلاة والتسليم بالسيدة خديحة بنت خويلد رضي الله عنها ووفقاً للمعايير الوهمية سَيحكم كثير من مثقفي وعامة المجتمع  على هذه الزيجة بالفشل . فهو الشاب الصغير الذي لم يسبق له الزواج وهي السيدة التي تكبره بسنوات عدة ومطلقة . ومن ناحية  أخرى هي سيدة قريش التاجرة وهو الشاب الذي يعمل معها  ولم يكن يملك إلا أمانته وصدقه اللتان عُرف بهما في مجتمعه المكي . لكن السيدة خديجة الحكيمة عرفتْ من تختار ولماذا تختار فنظرتها لم تكن محدودة في تفاصيل الأمور الظاهرة ، بل اكتشفت قدر هذا الشاب وشأنه وإنه يملك مالا يملكه أقرانه أو حتى سادات قريش في ذلك الوقت. بالمقابل هو رضى بها زوجة لأنه وجد فيها صفات الشريكة التي يريدها في حياته  وبل قدرها كثيراً وأحبها وكانت الزوجة الوحيدة له ولم يتزوج عليها وحتى بعد وفاتها كان وفياً لمكانتها ويتذكر مواقفها معه ومساندته له في الرخاء والشدة . الملفت إن كتب التاريخ لم تذكر لنا إن زواج المصطفى عليه الصلاة والسلام بالسيدة خديجة قد قابل رفض أو مضايقة من أي أحد في المجتمع المكي الجاهلي الطبقي .

في عصرنا الحالي وفي زمن سطوة الإعلام الذي يصنع ويُمجد شخصيات وبل يضيف معايير وهمية للجمال والسلطة والشهرة نجد الثنائي الملكي البريطاني ولي عهد بريطانيا الأمير ويلز وزوجته الأولى الأميرة ديانا  المرأة الفاتنة والتي جعل الإعلام منها أسطورة في الأناقة والجمال واللباقة واضفى لها صفات لا نعلم حقيقتها اعتماداً على جمالها وسحر ابتسامتها ووفقاً للمعايير فقد استحقت هذه الجميلة أن تكون زوجة لولي عهد المملكة المتحدة الذي يملك المكانة الاجتماعية المرموقة  والسلطة ، وفي المقابل استحق هذا الأمير أن تكون زوجته بهذا الجمال والحضور الفتان فمن الطبيعي عند البعض إن هذا الثنائي سيكونان من أنجح الأزواج وأسعدها ، ولكن عكس المتوقع فالثنائي كان تعيساً في الحياة الزوجية وبل كانت سعادتهما متصنعة أمام الكاميرات ارضاءً للجمهور الذي كان يتابع تفاصيل حياتهما والتي انتهت بالطلاق وسلسلة من المشاكل والخيانات .

الأمير أعاد ترتيب حياته الشخصية والتي في الأساس خاضعة لبرتوكولات مكانته الاجتماعية كونه الملك القادم للمملكة المتحدة وارتبط بامرأة زواجه منها سيحرمه من السلطة الدينية للكنيسية الأنجليكانية. ويراها الإعلام وبعض من الشعب البريطاني إنها لا تناسبه فهي لا تتمتع بالجمال الوهمي ،والأناقة الخلابة ، وزواجه بها سيكون سببا لخلافه مع الكنيسة الأنجليكانية ، إلا إن الأمير أصر على الارتباط بمن أحبها واختارها لتكون شريكة حياته الزوجية وليس شريكة للحياة الملكية المفروضة عليه . لكن منذ زواجهما استمرت تلك البرتوكولات من أجل انهاء تلك العلاقة الإنسانية .

إذن هي الكيماء التي لا تخضع لمعايير معينة ولا لبرتوكولات مسيطرة و لا رضا أفراد لن يعيشوا حياتنا اليومية ولن يتحملوا خيباتنا وانكساراتنا . هي الألفة وهي الانسجام وهي قاعدة الحياة الزوجية ، وفي الأول والآخر هي  القسمة والنصيب .

صحيفة المهاجر 

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1