Loading Player...

قراءة في المشهد السوداني

فكاك ناير/ الدوحة

حاول أهل الحكم في السودان عقب الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري في يونيه 1989، صبغ نظامهم بصفات الطهر والشفافيةوالمنعة الضامنة لتحقيق حياة سياسية بعيدة عن الطائفية السياسية، وبناء اقتصاد متين قوامه التحرر، وحماية المجتمع من الاستلاب الثقافي، وإحياء وبعث قيم الدين، وبسط الحريات وقيم الديمقراطية والعدل، وتحقيق التقدم والرفاه الاقتصادي.

 

وهي ذات الشعارات التي دشنت بها الأنظمة الانقلابية في المنطقة العربية مسيرتها، لكنها سرعان ما تنكرت لها بعد أن وصلت إلى مرحلة التمكين. وهو ما تم استنساخه حرفيا في السودان، رغم الاختلاف الايدلوجي بين النموذجين، إلا أن الوسائل والغايات واحدة . أثبتت تجربة أهل الانقاذ خلال ال 24 عاما عدم القدرة على ترجمة القيم المشار اليها أعلاه، فضلا عن الإخفاق في بناء نظام ديمقراطي حقيقي وإدارة التنوع الثقافي والتعدد السياسي، ما أدى ذلك الى انفصال جنوب السودان في 2011، بموجب اتفاقية نيفاشا. وتنامي بؤر الهامش في الشرق ، والنيل الأزرق، ودارفور، وجبال النوبة، وجنوح تلك المناطق الى العمل المسلح، وانهيار الاقتصاد على نحو مريع. علاوة على ذلك، تقزيم الأحزاب والقوى السياسية على الساحة، وذلك من خلال عمليات الاختراق الأمني، والتضييق على أنشطتها السياسية والاعلامية، الأمر الذي أسفر عن أحزاب ضعيفة غير قادرة على الحشد والتواصل مع الشارع بحرية تامة. وكان لابد من هذه المقدمة لقراءة ما يجري من حراك شعبي في الساحة السودانية كامتداد طبيعي لحالة اليقظة العربية التي انطلقت من تونس في الربع الأخير من 2010، وأطاحت بأربعة أنظمة بوليسية عتيدة.

 لكن النظام السوداني لايزال يتوهم بالحصانة والمناعة من الاعصار الذي أطاح بالأنظمة الفاشية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، والحجة التي يستند اليها انه سبق هذه الشعوب في التحرر من الاستبداد بعقدين من الزمان، وان الشعب السوداني ليس بحاجة إلى ثورة على غرار ما حدث في بعض البلدان العربية. وهو منطق غريب جدا وأشبه بواقع المريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه. واذا كان ذلك كذلك، ماذا يرى أهل الانقاذ في محاولات الانقلاب المتكررة على نظامهم منذ الشهور الأولى من حكمهم؟ أ لم يكن ذلك تعبيرا عن رفض مشروع النظام في وقت مبكر ؟ أ لم يكف غياب الحريات وإنعدام العدالة وتردي الأوضاع المعيشية والعجز عن الحفاظ على وحدة السودان أرضا وشعبا وتقديم بقاء النظام على وحدة الكيان الوطني واستشراء الفساد .. دافعا لقيام ثورة شعبية؟ هذه الأسباب وغيرها كانت باعثا لاندلاع ثورتي 1964، و1985.

ورغم ترويج النظام إلى عدم الحاجة للاحتجاج على سياساته الاقصائية، إلا أن  الحراك الشعبي الرافض للواقع المزري على صعيدي الحريات والأوضاع الاقتصادية، لم يتوقف خلال ال 24 عاما الماضية. وتأتي الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في ال 23 من سبتمبر الماضي في سياق النضال الرامي  لاسترداد الحرية والكرامة  المهدرة للمواطن الذي لم يعد يوما محل اعتبار او اهتمام النظام الحاكم. لذلك شهدت شوارع العاصمة الخرطوم ومدنا ولائية أخرى حشودا جماهيرية عفوية غاضبة من الطبقات المهمشة أصلا، خرجت لإسقاط النظام الذي يسعى لإطالة عمره على حساب الفقراء، وذلك من خلال تنفيذ إجراءات اقتصادية قاسية لا تأخذ بعين الاعتبار الفئات الأقل دخلا في المجتمع السوداني. ان النظام كعادته تعامل مع المحتجين السلميين على نحو قاس ومميت، الأمر الذي أدى إلى مقتل أكثر من 34 مواطن حسب الرواية الرسمية، وأكثر من 100 قتيل وفق مصادر المعارضة، واعتقال أكثر من 700 مواطن بتهم تكدير السلم الأهلي وتخريب المؤسسات العامة والخاصة والنهب والسرقة، غير أن أطرافا في المعارضة تشير بأصابع الإتهام الى مليشيات وأجهزة امنية تابعة للنظام القيام بأعمال النهب والتخريب للاساءة للمتظاهرين وتصويرهم كجناة. وتوزيع تهم التحريض والتغرير بالبسطاء من الناس لإحداث فوضى في البلاد على الجبهة الثورية. وهذه إشارة واضحة الى اصرار الحكومة على التمسك بالحل الأمني الى آخر الشوط  بدلا من الاحتكام الى العقل والبحث عن حل سياسي يتوافق عليه الجميع.  

لم يتوقف الأمر عند حد قتل المتظاهرين والاعتقالات التعسفية بمجرد الاشتباه، بل تعداه الى فرض اجراءات تحول دون تداول المعلومات، وذلك بفرض تعتيم اعلامي على الاحداث الجارية منذ اسبوع، وقطع شبكة الانترنت ليوم واحد، ومصادرة وايقاف بعض الصحف، واغلاق مكاتب قناتي سكاي نيوز عربية وقناة العربية بذريعة نقل معلومات غير صحيحة ومغرضة. وكان رد الفعل قوياَ وصاعقا من قبل الجماعة الصحافية، حيث تمثل ذلك في احتجاب عدد من الصحف وامتناع بعض كتاب الاعمدة عن الكتابة احتجاجا على الإجراءات القمعية الموجهة ضد المتظاهرين السلميين.

لم يبد النظام اسفه عما حدث من قتل وتخريب للمؤسسات العامة والخاصة، ولم يتراجع عن حزمة الاصلاحات الاقتصادية المثيرة للجدل، بل توسعت رموزه في تصدير اشارات السخرية والاستخفاف والتبسيط لمعاناة المواطن الذي انهكته السياسات الفاشلة على مدار الاعوام السابقة، وذلك بالتلميح حينا والتصريح احيانا اخرى بأن 75% من الشعب السوداني يستخدمون الدواب في التنقل من مكان لأخر، وان نسبة المستفيدين من هذه السلع المستهدفة اوضاعهم الاقتصادية ميسورة، وذلك لتبرير رفع الدعم عن المحروقات.

لا نعتقد ان الأمور تعود الى الوراء الى ما كانت عليه قبل ال 23 من سبتمبر الماضي، وهو يوم اندلاع شرارة الاحتجاجات السلمية في السودان. وما يدلل على ذلك، هو تنامي الحراك الشعبي في العديد من ولايات السودان، ورفض المطالبين بالتغيير الاستسلام والانكسار كما يراد لهم. وتزايد دعوات النشاطاء السياسيين والأحزاب والمنظمات الفئوية عبر الاعلام البديل الى انتهاج اسلوب العصيان المدني في كل مدن السودان. وفي حال نجاح ذلك ستتفاقم أزمات النظام بصورة مزرية، وستكون البلاد امام عتبة تحول ما، لأن النظام لا يستطيع الصمود طويلا امام هكذا فعل ثوري ان استمرت الاحتجاجات بنفس الزخم.

وهناك حراك وتفاعل من شخصيات تنتمي الى الحزب الحاكم مع ما يجري في الشارع، وهذا يتقاطع مع جهد المعارضة الرامي الى التغيير السلمي. وتأتي مذكرة مبادرة نداء الاصلاح – وهم 31 شخصية  ابرزهم الدكتور غازي صلاح الدين وهو من اهل السبق في الحركةالاسلامية السودانية - في مقدمة المهددات الجدية التي ستصيب النظام في مقتل على الاقل معنويا. خاصة انها تطالب رئيس الجمهورية بوقف الاجراءات الاقتصادية القاسية، وتكوين آلية وفاق وطني، وتعويض المواطنين المتضررين جراء القتل والاصابات، وقف التضييق على وسائل الاعلام، واجراء تحقيق محايد حول استخدام الرصاص ضد المتظاهرين. كما ان مبادرة السائحون – وهي مجموعة من كوادر الحركة الاسلامية تنادي منذ اكثر من سنتين باجراء  اصلاحات سياسية واقتصادية - وصفت ممارسات الحكومة تجاه المتظاهرين بالقمعية، داعية الى تشكيل حكومة انتقالية قومية من كافة القوى الفاعلة في المجتمع، واجراء اصلاح سياسي واقتصادي، وانشاء آلية قانونية للمساءلة والمحاسبة، وتكوين جبهة عريضة مناهضة للسياسات الاقتصادية. وهذا يعد خروجا او تغريدا خارج السرب من شخصيات سياسية مرموقة، ذلك ان الامر تجاوز الاطار المألوف لإبداء الرأي، ما يعني ان هناك  مفاصلة  اخرى قادمة تهدد النظام كالتي وقعت في 1999، اثر اجهاض الثورة التشريعية التي ارادها الدكتور حسن الترابي.

 البعض يرى في الدعوات الصادرة من داخل الحزب الحاكم او جماعات قريبة منه فكريا مجرد محاولة للبحث عن وسيلة لانقاذ النظام من الغرق بفعل الفشل السياسي الذي افضى الى الازمات الخانقة التي تحيط به من كل الاتجاهات. وهؤلاء يربطون ذلك بالتضليل الذي مارسه الانقاذيون لاخفاء حقيقة انتمائهم السياسي الى الحركة الاسلامية في العشرية الاولى من حكمهم. نقدر هذه الفرضية، لكن لا يمكن ان تكون المعارضة السودانية أسيرة اوهام او شكوك لا علاقة لها بالواقع. لأن نظام الانقاذ لم يعد كما كان قبل 24 عاما. لذلك يتوجب على المعارضة الانفتاح والتواصل مع الاصوات المنادية بالاصلاح من داخل النظام، وذلك بغرض البحث عن توافق وطني حول القضايا الكلية والقيم المشتركة ومن ثم خلق جبهة عريضة  تقود البلاد الى تحول ديمقراطي حقيقي دون اراقة دماء.

ان النظام في الخرطوم كغيره من الانظمة الشمولية لا يعير الارادة الشعبية المطالبة برحيله ادنى اهتمام. والشاهد على ذلك المحاولات العبثية التي يقوم بها من اجل البقاء، مستخدماً العنف المفرط ضد المطالبين بالتغيير، وربما يتوسع النظام في ادخال ادوات بديلة موازية للمؤسسات السيادية المسؤولة عن الأمن في البلاد للسيطرة على الموقف بمزيد من العنف في حال تفاقم الاوضاع وانحياز الاخيرة للارادة الشعبية. وهذا امر محتمل الحدوث اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الملف الجنائي للنظام خلال العقدين الماضيين. ونعتقد ان الاتهامات الجنائية الموجه الى رموز النظام ستزيد المشهد تعقيدا في حال اجراء حوار بين الحكومة والمعارضة حول ترتيبات المرحلة الانتقالية. بمعنى آخر ان النظام سيطالب بخروج آمن لرموزه المتهمين بجرائم ضد الانسانية، اسوة بالحالة اليمنية، الا ان جزءً كبيراً من المعارضة ولا سيما المسلحة لن تقبل بانصاف الحلول، الامر الذي سيؤدي الى استمرار المؤتمر الوطني في خيار هدم المعبد فوق الجميع، ذلك انه ( المؤتمر) يدرك يقينا بأن رموزه سيدانون جنائيا امام المحاكم السودانية او الدولية. لذلك يتوجب على القوى الوطنية الفاعلة في الساحة السودانية دراسة جميع السيناريوهات لتجنيب البلاد خطر الانزلاق الى مستنقع الاحتراب الاهلي.

 

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1