Loading Player...

يلا نمشى البلد!!! ( بناتى وخواطر المساء )

بقلم: عبدالفتّاح ودّ الخليفة-المملكة المتّحدة  06-03-2014

forwordكتبت هذه الخواطر قبل 6 أشهر وعندما داهمتنى أمور أخرى ملحّة تركتها معلّقة هكذا بلا ديباجة ولاخاتمة.... واليوم وجدتها هكذا صدفة ،قلت فى نفسى هل لا زالت صالحة للقراءة  أم تجاوزها الزّمن  وأخيرا توصلت إلى فكرة أنّه مقال عام يحوى أسئلة  حول الأطفال ومصير الأطفال وإنتماء الأطفال وأحلامهم وربّماكان مكانه الطّبيعى هو الفيس بوك لكنّى أنشره علّى أنفث خواطرى لتكون ملك الجميع.....

 

قلت لبناتى قبل عدّة أشهر هل أنتنّ مستعدّات لحضور إحتفال وطنى إرترى  سوف يتم فى مدينة (برمنقهام-المملكة المتّحدة)   فى بحر  شهرنا هذا..رددن بالإجماع وبالموافقة ولكن الصّغيرة ذات السّت ربيعا هى أكثرهنّ  لعلعة وصاحبة مبادرات أكبر من عمرها  قالت: يلا نمشى البلد نحتفل بالمناسبة هناك!!!

 وأضافت ونزور {جدّو) و(جدّة)  ومرّة واحدة ونضرب عصفورين بحجر ... يبدوا أنّ الزيارات العائلية جعلت إبنتى الصّغيرة  تتعلّق بالجدُّ والجدّة  ، تذكرهم دائما وتذكر كلّ حركاتهم وسكناتهم، وتذكر قصصهم قبل النّوم وتريد منّا تكرارها أو الإتيان بمثلها..  ولأنّى وأمّها لا نملك مواهب (جدّو) و( جدّة) وقعنا فى حيرة .. نحاول تقليدهم  نستلف ونحكى لها بأسلوبهم ولكن  كلّ حكاوينا وقصصنا  أبت أن ترقى  إلى مستوى حكاوى (الجد والحدّة)  وفى  آخر زيارة جمعتنا بهم   كانت الـ (الجدّة) تحكى لها  ( قصّة عد كوكوى أكلّعتُ توكوى) (1) تطرب صغيرتى للقصّة وتطلب منها تكرارها وفى المرة الثانية تتابع القصة وهى نصف نائمة  وعندما تكمل الحبوبة القصة تكون صغيرتى قد غطّت فى نوم عميق  تصحوا منه فى صّباح اليوم التالى  لنبدأ نحن حكاياتنا المطوّلة حتّى ينتصف الليل  ولكننا لا زلنا  نحاول أن نقلّد الحبوبة فى القصص وطريقة الحكى  ولا زال السرّ  مفقودا وقيد البحث...

ولكن هذه الأيـام تصرّ إبنتى على زيارة البلد، لم أرد أن أشرح ظروف البلد و المادّة وعقبات السّفر فإقترحت عليها فكرة إلتقاء نصف الطّريق .. قالت: لأنّهم كبار أتركهم يرتاحوا فى بيوتهم ونحن الّذين يجب علينا زيارتهم وأصرّت على زيارة البلد...وكرّرت (خلّونا  نمشى البلد)...

راودتنى نفسى لأقول لها:  يا صغيرتى فى بلادنا (حنقوقو) يخاف ويرتعب منه الكلّ ، فى بلدنا ساد السّوء  والسّوس والإختطاف فى عزّ الصّيف ووضح النّهار.......قد تختفى ولا يوجد لك أثر،تطلبك مجموعة لمحادثة صغيرة وسريعة ولكنها قد تأخذ عمرك..فى بلدى  العلاج يطلبه المواطن الإرترى من الجيران ، والسّلام والأمن ترك فقط لدعاء الأتقياء وكبار الوطن المكلوم ....ولكنّى عدلت وصُمْتُ عن الكلام !!!!  خفت على نفسى من أن تكره صغيرتى إرتريا بلدى  إلى الأبد وخوفى من أن لا تخاف من إرتريا كنت أحجب الكثير عنها وعن أخواتها( قصّة الحيّة) التى إبتلعت أمامى (نعجة) بحجمى وأنا فى الثامنة من عمرى بالقرب من مورد ماء إسمه (حشفيراى)....

جئت أسقى النّعاج والعلوج وحصل الحدث.. حكيت لبنتى الكبيرتين وبحذر حيثيات الحدث من باب (عيشوا معى بعضا من نوادر صباى وبلدى ) كمقدّمة للتعرّف على تراث وواقع الوطن  الحقيقى للتسلّح بالمعرفة والإستعداد للتعايش إن حصل ....

حكيت جزء يسير لأنّه   جزء من تجاربى وحياتى وأنا فى عمرهم....وذكرت ذالك عندما إشتكوا لى مرّة من فئران تشرّفنا فى حوش المنزل فى قلب المملكة المتّحدة، و من حشرات صغيرة لا ضرر منها ولا ضرار، وأحيانا من صغار الذّباب ، قلت لهم حينها: أتمنّى أن أجد صورتى  مع صبايا الحىّ فى (كرن) فى جبل (إيتعبّر) وعند المزار فى القمّة عند ( شيخ الجبل)  وأنا صبىّ ملتحفا بالجراد منظوما فى شرائح من الزّعف، لتعيشوا معى على الطّبيعة ولتفهموا طبيعيّة العلاقة بين الإنسان والحيوان،ولكن فأجؤونى البنات بأن قالوا: طلعنا (جبلك) يا أبى لم نصل إلى القمّة ولكن سلكنا نفس الطّريق الذى صنعته ورفاقك  بأرجلكم الصّغيرة حينها من طرف الحىّ إلى قمّة الجبل، لبسنا الـ (شدّة) وربطنا الأحزمة ، وعقدنا النيّة ولكنّا فى منتصف الطّريق خارت (قوانا) وهزمنا التّعب فعدنا أدراجنا إلى منزلكم!! قلت: هو منزلكم أنتم أيضا!!! قالوا: كيف يكون منزلنا ونحن نسكن هنا فى أوروبا!!!! قلت: وكيف يكون منزلى أنا وأنا أسكن هنا!!! قالت كبيرتهم: ولكنّك ولدت فيه!! قلت: لم أولد فيه بل ولدت فى قرية تبعد 30 كيلومترا تقريبا من ذاك المنزل!!! قالت: ولكنّك عشت فيه جزء مهم من حياتك!! قلت نعم!! ولكن إن كان ذاك بيت أبيكم وجدّكم وجدّ أبيكم فكيف لا يكون لكم؟ حتّى بعلم الوراثة!!  وأضفت:  نعم حتّى لو عدنا إلى إرتريا ربّما لا نسكن فى ذاك الدّار ولا نفس المدينة ولا نفس الجبل، ولربّما سكنّا بعيدا عن ذالك الطّريق الّذى صنعته برجلىّ ورفاقى إلى قمّة جبل (إيتعبّر) ولكن أريدكم أن تورثوا القيمة!!! قيمة البيت وقيمة الأرض،وتورثوا قصصى كلّها لتورثوا  العائلة  وتورثوا الأرض  عبقها وريحها قيمها وقيمتها... لتورثوا الوطن  وكلّها هى معانى  الإنتماء للوطن ،إرثا ووجدانا!! فهل بلّغت الرّسالة يا صغيراتى؟؟؟

قالت أحدى بناتى: ولكن هل يقبل أزواجنا السّكن معنا فى ذاك الجّبل؟أو تلك القرى التى تحكى عنها؟ ومن ذا الذى يولد فى (أوروبا) ويقبل العيش فى قرى ومدن (إرتريا) بعد عمر مديد!! وهل يفهم من هذا الحديث أنّنا نشترط على القرين  السّكن فى أرض الجدود ؟ قلت: لا أحد يفرض عليكنّ  شيئا ومنها الزّوج  والسّكن ولا أقول أنّ السّكن يجب أن يسمّى مع المهر!!  ولكن هل تردن أن تكوننّ جزءا منّى ومن أسرتكم لتكوننّ فرعا من أصل؟ إختاروا أزواجكم بنفسكم ولكن يقول المنطق والعقل : يجب أن يكون ممّن يؤمنون بتلك القيم  لتسكنوا فى الـ (جبل) أو فى المدينة أو أىّ شطر آخر فى حضرة الوطن، وهناك فرق كبير بين السّكن والإنتماء كما هناك فرق بين أن تسكن وطنا أو يسكنك هو!! حتّى إن لم تعودوا العودة الأخيرة  يجب  إن يعيش الوطن فيكم  فذاك دليل قاطع على أنّكم فرع من أصل  والإرتباط بالأصل  بأىّ صورة كان فيه معنى الوجود وأصل الدّين  وإلاّ على الدنيا السلام...

صمت الكل... قالت بنتى الكبرى: ولكن يا أبتى لم أكمل لك قصص (كرن) و (الجبل)  كنت تذكر لنا دائما البحيرة الرّاكضة (شفشفيت) قلت: وهل وصلتم إليها إنّها خطرة وأحيانا  (دوّامة) تبتلع الزّوّار صغارا كانوا أم كبار؟   قالت: لم نعرف الخطورة ولم نسمع بها  ولكن عند زيارة منزل الأقارب فى جنوب غرب المدينة أصطحبنا الأقران إلى (شفشفيت)  خفية، عبرنا الوادى وتسلّقنا الرّوابى ، وعلى الضفّة الشمالية وقفنا نتمنظر ونستحضر قصصك عنها وفيها ولكن الرّهبة والخوف من الأهل عدنا أدراجنا مسرعين وأنتظرنا الأهل للغذاء وهم فى حالة قلق وخوف لأنّنا غبنا عنهم لزمن طال...

قلت: الحمد لله على السلامة..

ولكنّى لم أرد أن أسمع كثير فى تلك الجلسة عن زياراتهم لمدينتى ومراتع صباى وطفولتى، بل أن أجعل اليوم فرصة لمناقشة موضوع الإنتماء...

فأقحمت الموضوع ثانية فى النقاش قلت: كيف ترين يا بناتى موضوع أزواجكم؟ من أين يجب أن يكونوا؟ وكيف يجب أن يكونوا؟ وهل يكفى فقط أن يكون الزّوج مسلما؟ وهل تعنى الحدود شيئا فى ذالك؟

قلت: الزّوج فى نظرى  يجب أن يكون :  من ترون فيه التوافق فى الدين وكثير من أمور الدّنيا ومنها الخلفية الإجتماعية وعلى رأسها سيرة الإنتماء!!!!

 و إن وضعت شرطا لقلبك ولدرجة ميلانه سوف لن ينزلق! فالحبّ والميول يبدأ بالتفكير!فالزّواج أوّله فكرة!!! فإن وضعت صورة كاملة مكتملة للشخص  ووضعتها فى مخيلتك فإنك أحببتها يعنى أحببت شخصا تنتظره حتى يأتى وعندما يأتى ويحصل الإنسجام والوئام ، تبدأ قصّة الإرتباط.. يقول شرع الإسلام فى شروط الإنسجام مع الزّوج تطابق المستوى الإجتماعى وتلك تحوى الإنتماء ، مع وحدة العقيدة...

قلت : كان لى صديق أرتاح قلبه لجزائرية مسلمة وأراد أن يتوزّجها....كنت أوّل من وقف أمام الزّواج بسيفه معارضا  وحجّتى فى ذالك لأنّنا كنّا مشرّدين وبلا مراسى ، والمشرّد يجب أن لا ينجب وإن أنجب يجب أن يعلم بأنه لا ينجب إبنا له وللوطن، بل للشتات وسوف يكون الطفل سليل بؤر الشّتات وإبن  الغربة، لا يأخذ من أبيه شيئا ليأخذ كلّ شيئ من (أمّ) الشّتات، والغربة تكون إسمه المرادف ما بقى حيّا وإن عاد بصدفة غير محتملة يعود لوطن غريب عليه وغريب هو فيه....

وحكيت عن (قصة صديق  آخر ) تزّوج من إرترية مسيحية فإلتبست الهويّة فى المولود وصعب عليه التّفريق بين الكنيسة والمسجد ، ولكن فى الأخير لأنّنا فى أوروبا مال قلبه للمعابد الجميلة بأجراسها وعمرانها الجميل وفى بداية سنّ المراهقة ولج مع خاله وأمّه إلى إحداها وطلّق علنا تراث أبيه من حيث لا يدرى على رؤس الأشهاد و طقوس مكتوبة بالجئزية ...هذا الصبّى  عاش ولا زال يعيش (قصّة صراع الأديان ) فى داخله ووالده  كان يستدلّ بصحّة قراره فى  الزّواج  بملك الأردن لأنّه متزوّج  من (مسيحية عربية ، فلسطينية ) عاشت وولدت  فى الولايات الأمريكية ...وقلت له حينها:الأردن بلد عريق فى ثقافته الإسلامية والمسيحية والمسيحيون والمسلمون لهم قيم مشتركة ولغة وتراث فلا خوف من ضياع أبناء الملك ولكن إن كان حصل العكس وسافر الملك ليعيش معها فى مكان مولدها لكان الخوف واردا على الأبناء وحتّى الملك !!!!

 وحكيت لهنّ أيضا (قصّة ).. صديق آخر تزوج من (أوروبية) للجدّ المائة ، ولكنّه لم يستطيع  السّكوت على محنته التى إختارها بيديه فنوى على التواصل مع الجذور فجلب لبنته وولده (جدّتهم) الإرترية والدته من قرى (سراىّ) البعيدة ... جاءت الجدة فرحة جلبت معها (الشطّة المدقوقة) و(النّبق_ قابا) و (الطّحنى) والـ(قلوعتر-الحمّص) إستقبلها الطفلان ببرود لعدم وجود سابق معرفة وحاولت الـ(جدة) الحنونة أن تحكى وتحكى .. وتحضن الأحفاد!! ولكن تلعثم اللسان فى إيصال الرسالة فلا يحكى الأطفال إلاّ لغة الأم ولغة مكان الميلاد ..وحينها قالت الحبوبة لولدها: يا إبنى لمن جئت أناهنا؟؟ ولمن تكبّدت مشاق السّفر؟؟؟ لا أظنّنى لك فقط !!! لأنى أعرفك قبل أن تولد وحين كنت لا تزال مضغة فى رحمى.. من جئت لهم لا أستطيع الحديث معهم!! ولا يأكلون ممّا أصنع!!! أنهم قوم آخرون من غير كوكبى وسمائى!!! وحتّى تعلمهم لغتى ليعرّفوا مكانتى ومقدارى أنا راحلة!!! ... أنا راحلة!!! راحلة إلى بلدى!! هناك أستطيع الحديث مع كلّ الأطفال المارّون لسبيلهم  أمام بيتى  من وإلى المدرسة ،ينقلون لى أخبار القرية جيئا وذهابا،  هناك أستطيع أن أجد نفسى وأعيش حياتى.. أمّا أنت بفعلتك هذه فقد قطعت جزءا من رحمى وأردت رجمى وأنا حيّة.. وحتّى تنجب أطفالا أحكى معهم ولهم مجدى وتراثى سوف أتركك بسلام .. وحينها فقط قل لى : تعالى  يا أمّى عودى فقد تصالحت  مع ربّى ونفسى أريد أن أعود لك وإليك....حينها فقط  أعود لك مسرورة مبهورة ومعى الـ (القابى) والـ (قابا) والـ (قلوعتر) ..سلام يا إبنى..حتّى حينها....

قلت لبناتى هذا (سرّ) من أسرار إختيار الزّوج أو الزوجة  وجانب من سيرة الـ (إنتماء) فهل بقى شيئ آخر فى حديث اليوم ورفعت الجلسة حتّى إشعار آخر....

(قصّة (عد كوكوى أكلعتو توكوى) هى من قصص الحبوبات التى يحكينها للأطفال وهم على الحجر وقبل أن تنتهى القصّة يغطّ الصّغار فى نوم عميق نسيت مفردات القصّة ولم يبقى منها فى ذاكرتى إلاّ إسم القرية التى تبعد من مدينة أرغدات شمالا بـ 20 كيلومترا تقريبا والمعنى أنّ أوانى طبخهم (كلع) هى على الأثافى دائما ربّما لكثرة ضيوفهم والله أعلم.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1