صناعة الجماهير

populaceالجماهير هي، جميع فئات الشعب من العمال والفلاحين والرعاة والتجار والأغنياء والفقراء والطلبة والمرأة والعاطلون المعدمون والمشردون المنبوذون والمنفيون المبعثرون في كل زاوية من العالم، وبتوحد هذه الفئات تصنع الجماهير، وهو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يصنع القوة الثورية التي يمكن أن تقلب أوضاعنا المزرية القبيحة رأسا على عقب في وجه الطاغية والزمرة، وتحقق النصر بالضربة القاضية!.

ولكن، ما الذي يجعل فئات الشعب تتحد؟ . ما الذي يقود تفكير فئات الشعب نحو الهدف المشترك؟. وكيف يمكن جعل فئات الشعب أن تنصاع للخطاب السياسي الموحد والوحيد والذي يدفعها نحو الممارسة النضالية المشتركة؟. كيف يمكن تحريض فئات الشعب ليندمج أفراده في تيار الجماهير، ويصبح الناتج البوتقة المقاتلة والمضحية؟. كيف يمكن استبدال الانتماء الحزبي والفئوي والقبلي والفردي بالانتماء الوطني المشترك؟. وكيف يمكن إقناع الجماهير بأهمية إعلاء شأن الانتماء الوطني المشترك لتحقيق النصر؟. كيف يمكن إقناع الجماهير بأهمية أن تتخلق بأخلاق التفاني ونكران الذات ونبذ التشرذم؟، كيف يمكن إقناع الجماهير بأن تتشبع بروح التضحية من أجل المصلحة الوطنية المشتركة؟.

إن وجود الظلم والاستبداد والفساد في الحكم والإدارة والفساد في توزيع الثروة والسلطة والعنصرية والتطهير العرقي والتهجير والإحلال والتهميش الديني والإقصاء الثقافي والإرهاب السياسي والفكري، ليس هو الذي يؤثر على ذهنية الجماهير للنهوض والعصيان والثورة، وإنما نوع الخطاب السياسي الذي يعكس هذه الوقائع.

إن وجود هذه الوقائع على المدى من العقدين لم يؤد إلى الثورة الشعبية، وحتى استمرارها في المستقبل القريب أو البعيد لن يؤدي إلى الثورة الشعبية العارمة، بل إيجاد الخطاب السياسي الموحد الذي يبرز بأن هذه الوقائع هي التي تطحن عموم حياة الشعب وتغيب مصائر الجميع.

لذلك، يجب إيجاد الصيغة الملائمة المختصرة من الخطاب السياسي الموحد والذي يعرض هذه الوقائع والممارسات أمام أنظار الجماهير، الخطاب السياسي الموحد والذي يقرب هذه الوقائع من أذهان الجماهير، والخطاب السياسي الموحد والذي يقف على مسافة متساوية من الجميع ويحدد المخاطر والتبعات، والخطاب السياسي الموحد والذي يقنع الجماهير بأن هذه الوقائع هي التي لوثت الماضي وتلوث الحاضر وسوف تلوث المستقبل.

إن المعروف عن الجماهير، انها لا تميل إلى التأمل والتفكير والتدبر في بواطن الأمور، لذلك هي بحاجة إلى من يحدد لها ذلك الخطاب السياسي الموحد والذي يحمل في طياته مصالحها المشتركة وطموحها المشترك، والذي يجعلها تنخرط في الممارسة والعمل الفعلي المنظم، وهو الذي سوف يجعلها القوة الهائلة والضخمة التي يصعب والوقوف أمامها.

ولذلك فان الجماهير بحاجة إلى وجود القيادة الطليعية التي تفكر، وبتفكيرها تعرف نفسية الجماهير، القيادة القادرة على جمع الأفكار العديدة في الفكرة والواحدة الموحدة، لأنه من الصعب أو من المستحيل تجيش الجماهير خلف الأفكار العديدة المتنافرة.

قال نابليون، تظاهرت بأني كاثوليكي فأنهيت حرب الفاندي، فتظاهرت بأني بابوي متطرف فكسبت ثقة الكهنة في إيطاليا، فتظاهرت بأني مسلم تقي، فانتصرت في مصر، وفي كل موقف من تلك المواقف جمعت أفكاري المتفرقة في فكرة وواحدة مشتركة، ثم قمت بتكرارها، لأنني وجد في التكرار أفضل بلاغة للإقناع الجماهير.

أما "غوستاف لوبون"، قال: لو كانت الجماهير دينا أو رجلا تبعته حتى الموت، وذلك عندما وجد من دراساته وأبحاثه في سلوك الجماهير بأن مؤسسي الأديان من الأنبياء والرسل ومؤسسي الإمبراطوريات من الملوك والغزاة، صنعوا تلك الأمجاد التليدة والإنجازات العظيمة عن طريق الجماهير، لأنهم جميعا اتصفوا بتلك الصفات الشخصية التي مكنتهم من معرفة كيفية التعامل مع الجماهير بدمج وصهر ميولها ورغباتها في روح وواحدة أو عاطفة مشتركة تقضي على الاختلافات والتمايزات من الفئوية والحزبية والفردية، حيث تصبح الجماهير المركب الكيميائي الناتج عن العناصر العديدة المختلفة التي تتفتت وتذوب وتفقد خصائصها الأولى من تأثير التفاعل البيني الذي يؤدي إلى نشوء تركيب المركب الجديد، هي الجماهير.

لذلك، قال "غوستاف لوبون"، إن من يصنع الأمجاد أو التاريخ هي الجماهير، وليس الأفراد، لأن الفرد لا يضحي بنفسه من أجل الآخرين، بكونه يتصف بالجبن والأنانية والذاتية، إلا إذا أصبح ذلك العضو الفاعل في الجماعة تتلبسه روح التضحية بنفسه إلى الحد الذي يتصدى للرصاص والقنابل والغاز، وإلا إذا تحول إلى ذلك الفرد الذي يلقي بنفسه في التهلكة لإنقاذ بقاء الجماعة، ومن أجل إعلاء شأنها يتحول من ذلك الكائن الجبان والمتهيب والمتردد إلى ذلك الشهيد الذي يقدم نفسه قربانا من أجل الهوية الجماعة، لاكتسابه منها الحماسة والشجاعة والقوة الخلاقة التي تدفعه القيام بما لا يستطيع القيام به بالانعزال والتقوقع، لأنه قد صبح العضو في الجماعة التي لا تسأل عن أفعالها لوجود العديد من الأفراد، حيث لا يشعر الفرد أن ما يفعله سيجر عليه التبعات والمسئوليات، لأنه قد أصبح الجزء الصغير من الكل الكبير.

ما هو الخطاب السياسي الموحد والذي يمكن أن يجمع فئات الشعب في إرتريا؟. برأيي، إن الخطاب السياسي الذي يمكن أن يجمع أفراد الشعب، هو الخطاب الوطني الذي يلجم ويقصي جميع الانتماءات ويبرز أو يمجد الانتماء الوطني المشترك، لأن الجميع ينتمي إلى هذا الوطن المجروح المخطوف من تلك العصابة المجرمة المجردة من الإنسانية قبل الوطنية.

عدا ذلك فإن أمورنا على ذلك البساط من الاختلافات، حيث تتبعثر مفردات خطابنا السياسي المتباين والبائس والمهلهل والضعيف على امتداد تلك القائمة الطويلة من المسميات والتشرذم، المسلمون والمسيحيون، الفئات والقبائل والمناطق والنواحي الجبهات والتنظيمات، بعدما أصبح لكل فئة من الفئات، ذلك العواء المنفر والذي يطلق في الفراغ، ذلك الحوار الطرشاني المضحك، وكل ما تحقق في إطاره حتى الآن، إشباع تلك الرغبات المريضة لمجرد الإعلان عن النفس والذات، تلك النداءات والاستغاثات الجوفاء والتي تطلق بعجالة وبارتجال وكيف ما كانت، دون التفكير في النتائج، والتي يكون مصيرها التبدد عند هبوب الرياح.

الفكرة هي، كن ما تريد أن تكون!. كن إسلامي كن مسيحي، كن حزبي، كن فئوي، كن قبلي، كن مناطقي، كن ليبرالي، كن علماني، ولكن كن وطني. وهذه هي الفكرة الواحدة والوحيدة التي يمكن أن تجمع أفراد الشعب وتجيش أفراده في بوتقة الجماهير، الشكل الواحد الوحيد من القوة التي يمكن أن تقهر الطاغية والزمرة وتبدد أحلامه المريضة للبقاء في السلطة حتى الممات ثم توريثها لمن هو على شاكلته من أهل الجبروت والطغيان!.

محمد عثمان حمد

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1