الفريضة الغائبة

بقلم :محمد عثمان حمد

the missing opportunityمصوع، المدينة الأكثر شهرة وتنوع، موطن كل الوجوه السمحة من الإرتريين. الوقت في الصباح الباكر، والعتمة مازالت تسدل ستائرها على الناحية، وتهفهف النسائم العليلة المنعشة من الهواء المشبع برائحة اليود والمخلوطة بعفونة الطحالب، لأن البحر في مده الأعلى وهديره المتوالي يغسل شواطئه من القذارة.

أعطى ظهره للبحر، ووقف على ناصية الشارع متلفتا إلى اليمن واليسار، فانتابته قشعريرة فتعوذ من إبليس، وخاض مشيا في عرض الشارع متوجها إلى المسجد الذي هو على بضع أمتار وفي نيته قضاء ركعتي الفجر، قبل بذوق الشمس.

 

فجأة، سمع صرخة امرأة تستغيث، فيرى إلى اليسار منه هروب نساء مفزعات يهرولن كالدجاجات ظهر في وسطهن هر بري متوحش، وعلى أثرهن مطاردات من العسكر، أين؟، أمام ذلك النزل الذي يتناول فيه فنجانين من القهوة في الأمسيات.

فيتوقف مراقبا ما يحدث،  فيرى سيارة عسكرية نصف نقل متوقفة، وجندي يسوق ثلاث فتيات واحدة بعد أخرى، فيشحنهن في دبة السيارة، وهو يتلفظ بأقذع الألفاظ، فتخرج امرأة من النزل فتقترب منه وهي تتوسل إليه "بجخا حوي، بجخا حوي"، فيميل إليها برأسه من دبة السيارة،  فتقول له شيئا ما، فتعود مسرعة إلى بهو النزل، فيقفز برشاقة استعراضية، فيسير على أثرها فيختف الاثنان خلف الباب، وبعد فترة وجيزة يعود وهو يحشر شيئا في جيبه، فيسحب فتاة واحدة أشارت إليها المرأة، فيدفعها بعنف إلى المرأة، فتقع على وجهها وهي تولول، فيقول مخاطبا المرأة إياك من النسيان، تذكري الاتفاق، فتقول له "حيرايي  حيرايي، يغنيلي حوي"، حاضر وشكرا أخي، فيميل برأسه إلى السائق خلف مقود السيارة، فيأمره "تبدجس"، فيلوح للمرأة بيده مرسلا قبلات على الهواء، "شاو  شاو"، فينتهي المشهد.

فينظر في ساعته، فيقول في نفسه مازال هناك الوقت لأداء الصلاة، فيتحرك إلى بوابة النزل، فوصل إليه والمرأة ترد الباب،  فيلقي عليها تحية الصباح، صباح الخير، ما هذا الذي يحدث، فترد عليه، من أنت وماذا تريد، فيقول رأيت كل شيء، فتتفرس في وجهه وهي مرعوبة، وعندما تتعرف عليه، تقول "وأيي حويي، نعا أتوو، أرحب" فيقول لها ورائي أشغال، فيكرر سؤاله، ما هذا الذي يحدث، هل وقعت عندكم جريمة، فتقول أية جريمة، هؤلاء القذرين، هم من فرقة التجنيد.

فيسألها من هؤلاء الفتيات، فتقول أنهن عاملات النزل، جمعتهن من كل زاوية في المدينة، وبعد التدريب على العمل، يسحبن من رؤوسهن على هذا النحو، يا ويلي لم يبق في المدينة فتيات، فيتساءل قائلا: أرى أنه أخذ الاثنتين وترك لك الثالثة، فتهز رأسها بتعجب، فتقول آه ماذا أقول، قبض مقابل ذلك الرشوة نقدا، وفوق ذلك مطلوب مني أن أطعمهم وأسقيهم طالما هم في المدينة، تصور أنهم يأمروني أن أغلق النزل كل ليلة عند الساعة الثانية عشر، فأجهز لهم سهرات مجانية وأنا  ومن معي في  خدمتهم حتى الفجر.

فيقول هذا خراب بيوت بعينه، فتقول هذا هو حالنا مع هؤلاء الأنذال! فيسألها هل هؤلاء الفتيات هن إرتريات، فترد عليه "إندعي"، وما أدراني، فيسألها كيف ما أدراك، فتعيد النظر في كذبتها، فتقول حسب علمي أنهن "تجراويات"، ولكن عند هؤلاء الأنذال الأمر سيان،  لا فرق!. فيعود أدراجا من حيث أتى، وهو يقول في نفسه، لا جديد مازلنا نعيش عصر الخلط، يا قلبي لا تحزن!.

أما بعد، نسأل هذا السؤال. هل كل الذين التحقوا بالثورة أثناء حرب التحرير فعلوا ذلك طوعا، أما كان هناك من التحق بالثورة عنوة أو مورس بحقه التضليل والخداع، فاستوعب أنه تورط بالثورة بعد فوات الأوان؟

كانت الجبهة الشعبية في أيامها الأولى الغبرة تعترض في أدبياتها الصفراء على إلحاق الأفراد بالثورة بالقوة أو التجنيد الإجباري، في الوقت من يسمع تلك الترهات كان يدرك ان حالها كحال من لا يطول العنب فيقول عنه حامض!.

لماذا؟  لأنها لم يكن في استطاعتها تفعل ذلك،  لكونها كانت منبوذة من الشعب، أو بمعنى أصح، أن الشعب لم يكن يعرف عنها، وهي لا تعرف عن الشعب، الشعب في واد وهي تهيم في واد آخر، لأنها كانت متقوقعة ومعزولة في تلك المساحة الضيقة من الساحل، من حدود السودان إلى نقفة، ولو سار الماشي على قدميه في تلك المساحة والتي كانت تسمى الأراضي المحررة، أو ميدان الجبهة الشعبية بالاتجاهات الأربعة، إلى الشمال والجنوب وإلى الشرق وإلى الغرب،  وفي الفترة الممتدة من 1977- 1991، لابد أن يجدها عبارة عن بضع كيلو مترات مربعة، عكس جبهة التحرير التي كانت فعليا جبهة كل الإرتريين، ونشاطها كان يصل إلى كل المناطق في إرتريا.

ومع ذلك كانت تتبجح بكل صلف ووقاحة، وهي تمارس التسويف الفكري والتضليل السياسي، فتقول عن نفسها، أنها جبهة جماهيرية وطليعية وتقدمية، تقودها النظرية الثورية، مسطرة الثورية، لوح الثورة، بوصلة الثورة، تضع الفكر قبل الممارسة، بعكس الجبهات المنافسات لها، والتي كانت تعتبر شرورها أعمق وأفدح من العدو، والتي كانت تسخر من أعمالها،  لأنها تخبط خبط عشواء، وتسير كيف ما كان الأمر، ولا تسترشد بخط تنظيمي محدد غير أنها تعيش من اليد إلى  الفم، وتفرض الأفكار عليها من الخارج، من قبل الدول المانحة للدعم، أين ما هب الريح تطايرت معه، قطيع يهيج إلى كل الاتجاهات، اليوم  لها قصة في والغد عكسها،  وإنه لذلك من الخطأ الجسيم تجنيد الأفراد إجباريا قبل التوعية، والصحيح أنه وقبل أن تناول الفرد البندقية، من واجب الثورة أن تجعله يستوعب ويدرك إنه لماذا عليه أن يمسك تلك البندقية، وأن البندقية التي تعطى للفرد قبل أن يحل الوعي في قاع جمجمته، مصيرها أن توجه إلى صدور أفراد الشعب، ولن تسمح الجبهة الشعبية أن يحدث ذلك، لأن الشعب حلو، لأنه منبع الثورة الذي لا ينضب، الشعب الكريم والشجاع والمتفاني والمحب للحرية، الشعب يكفيه البهدلة، هذا الشعب ما منه مثيل، عدده قليل وجبار، كفاية ما فعلت به إثيوبيا، لماذا؟، لأن الجبهة الشعبية من الشعب وإليه، من أين ترضع الثورة، من أثداء الشعب، الشعب هو الضرع الذي لا يجف، لدى الشعب الخير الكثير، الشعب كله عطاء.

لماذا؟ لأن الشعب هو الأساس،  اصبر يا شعب، بعد التحرير سوف ترتاح، سوف يكون لكل فلاح قطعة أرض يزرعها، ولكل عامل مصنع يعمل فيه، ولكل تاجر متجر يمارس فيه البيع والشراء، لمن السلطة بعد التحرير؟، هل هذا سؤال يسأل؟، كل السلطات للشعب، هل أحد يتجرأ وينافس الشعب على السلطة؟، لأنه هو الذي سوف يشرع القوانين وينفذ  السياسات، دور الجبهة الشعبية أن تحرر البلد، وهنا ينتهي دورها، وتسلم السلطة للشعب، لأنه هو صاحبها، يا جماعة الخير، من الطليعة في الشعب، العمال والفلاحين، صحيح إن الفلاح غبي، ولكنه مخلص، وما هو مصير الرعاة الذين يهيمون خلف المواشي، وهؤلاء خارج التصنيف، لن يكون هناك  الرعاة في إرتريا المستقبل، لأنه سوف تؤسس الدولة تعاونيات زراعية، البلد سوف يدخل في عهد المكننة، سوف يكون من مسئوليات الدولة أن تبدأ في التصنيع، الشواطئ والسياحة، آه من شواطئ بحرنا، وهكذا دواليك!. 

ولكن الوجه الآخر لعملة الجبهة الشعبية البشعة، أنها كانت تستخدم أساليب ملتوية لتجنيد الأفراد في صفوفها، ومن تلك الأساليب الملتوية، أنها أسست، ومن فترة مبكرة فرقة فنية تراثية مركزية أفرادها من كل الفئات، ثم وسعت من ذلك فأسست في كل وحدة عسكرية فرقة فنية، وكان من أهداف تلك الفرق الدعاية لا الفنون، وتحميس وتحريض الأفراد للالتحاق بها، فرق الكرار والكبرو والتصفيق، والدوران في حلقة الزار، كل من  دار  فيها يخف عقله ويصبح خفيفا وأول ما يصاب به الانقلاب الفجائي في الرؤية والخلط في الاتجاهات الأربعة، كم من الأفراد التحقوا بها بعد الرقص!.

وفي والوقت نفسه، كانت أبشع ممارستها أن تجند في صفوفها التجراويين على أنهم الإرتريين، لأنه من هو الذي يكون خارق الدراية الحنكة والذكاء المعرفة، يمكنه أن يميز هذا التجرنياوي من إرتريا، وهذا التجراوي الذي يدعي إنه من إرتريا ليس منها، لأنه نفس اللغة ونفس السحنة ونفس السلوك، وإذا سألته يا أخ من أين أنت، فيقول لك من إرتريا، ومن أين أنت في إرتريا، فيقول لك من أسمرا، وكان من المستحيل أن تجد واحد أو واحدة، إنه وأنها من غير أسمرا، كلهم وكلهن من أسمرا، أو من يمكنه أن يتجرأ ويقول أن هذا الخلط عبث لا يجوز، وأسوأ من ذلك تدريب المقاتلين من "تجراي" لحساب "وياني"، مقابل منافع متبادلة، وفي نهاية كل دورة للتدريب يزجون في معارك في أرض إرتريا، ضد جبهة التحرير وإثيوبيا!.

وبعد التحرير أصبح الجمل المسكين بما حمل بقبضتها الصارمة، بعدما تقيح ظهره من الكد، شعب إرتريا، فبدأت تمارس التجنيد الإجباري بطريقة فجة وقاسية، لا تقول هذا وحيد أسرة، أو هذا رجل شيخ طاعن في السن أو ومعيل أسرة، أو هذا رجل عليل يصارع أمراضه الكثيرة، وعلى وشك أن يودع الدنيا، أو هذا الصبي الغر يتيم وحيد أمه العجوز، وهي لا تأمل بأن تحمل وتنجب غيره، وهو حطامها من هذه الدنيا، وبدون تمييز تسوق كل ما يتوفر أمامها من الأنفس المنهكة من كلا الجنسين وتستهلك طاقاتهم في مشاريعها الفاشلة، حفر الترع والخنادق، أو العسكرة التي نسمع عنها جعجعة ولا نرى طحين، أو السخرة كالعبيد دون أجور في شركات الأفراد الثلاثة، إسياس، المعلم الكبير الفلتة والذي يكرر كل يوم جديد، نحن أحسن دولة في إفريقيا، وهي في ذيل الدول في كل إنجاز، وحقوس كيشا عراب المال والأعمال،  إذا وضعت دجاجة في عتمة الليل بيضتها، يعرف بها، ويماني عراب السياسة، الداخلية والخارجية، وهذا الجانب من نشاطها هو الذي يجعلها تظل تمسك بزمام السلطة، لأنها تنظف أولا بأول الأفراد في المدن والقرى والنواحي، ومن خلال هذا الأسلوب البوليسي تتمكن من بسط السيطرة الأمنية على الجميع، وبهذه الطريقة تكون القوى الفاعلة من المجتمع تحت نظرها دائما.

المدهش أنه في الجانب الآخر، تنظيمات المعارضة القابعة في أديس أبابا، أو مقلي أو أية ناحية من إثيوبيا، ربما تنتظر يأتيها الفرج من السماء، أو تقع الكوارث أو تحدث المعجزات ولكن المؤكد انه لن يأتيها الشباب ليقاتلوا في صفوفها، إذا هي لم تسع إليهم وتستقبلهم، وتطرح عليهم أفكارها، وإذا تعذر القبول، تجبرهم وتسوقهم إلى معسكرات التدريب، لأن ذلك أفضل لهم لو يعلمون.

الواقع، أن تنظيمات المعارضة لم تفكر حتى الآن في الاستفادة من هذه الثروة المهدرة، والبدء بالتجنيد الإجباري في أوساط الشباب الهاربين وهم الجنود الجاهزون، بدلا من تركهم يفنون في الصحاري عطشا وفي أعماق البحار غرقا، أو يتاجر بهم المهربون المجرمون من الرشايدة أعترف لهم إسياس كمكون من مكونات إرتريا، وأنكر على الجبرتى، المكون الأصيل من هذا البلد، تلك الفئة الكريمة التي أفضالهم على الجميع، أو يصبحون فرائس عرب سيناء، تباع أجسادهم كقطع غيار، وهم أكثر الأفراد المؤهلون نفسيا لمقاتلة النظام، لأنهم أكثر الأفراد الذين ذاقوا المرارات من أساليب النظام القمعية، والذين يتسربون يوميا إلى دول الجوار، وينتهي مصيرهم إلى ظروف بائسة لسنوات في معسكرات اللجوء، لا شغل ولا مشغلة، وهم تحت أعين المعارضة في إثيوبيا والسودان واليمن وجيبوتي، ينتظرون فرص الهجرة إلى أوروبا وأمريكا وكندا.

إن الشباب الهارب من دولة الفرد الواحد، هم الثروة التي لم يلتفت إليها أحد، هم الثروة التي تهدر وتتسرب إلى التراب، وهذه هي الطاقة التي يمكنها أن تقلب الميزان إذا أحسنت المعارضة استغلالها بطريقة ذكية ومناسبة.

إنه من الصعب أن يذهب الأفراد إلى ساحات الحرب طوعا. كل الشعوب التي تعرضت لما نتعرض له من المسخ والتهجير والإحلال والإبادة، مارست التجنيد الإجباري، في الحرب العالمية الأولى والثانية، وحروب التحرير ضد الاستعمار، في جميع القارات. قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

خلاصة القول، أولا:  أن التجنيد الإجباري للأفراد شر لابد منه، وهذا هو العنصر الذي يجب الاهتمام به. ثانيا: بما أن الشعب يحب بل يعشق الأغاني والرقص، وهي البضاعة التي تحقق المكاسب للنظام، وكسب تأييد الأفراد أو جمع المال وتكدسيه.  فما هو المانع من أن تؤسس المعارضة فرقة للأغاني والرقص، وهل تعجز أن تنجز هذا العمل؟!.

 

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1