نحو قراءة مختلفة في المشهد الإرتري الراهن: تفضي لتعزيز المشروع النضالي المرحلي، وتضمن تحقيق التغييرالمنشود

كلمة أسرة تحرير قبيل

different viewالجزء الأول  ظللنا في إحيائنا لذكرى إنطلاقة شرارة سبتمبر من كل عام تدبيج البيانات أو المقالات والنصوص الإحتفائية بها، مستهيلين ذلك تمجيد أبطالها – وحقيقة هؤلاء الصناديد يستحقون اكثر مما نجود به أمام يوم محراب تضحياتهم العظيمة- لندلف إلى حث الأجيال الحالية للسير على دربهم، ومختتمين بالتنديد بالسلطة ونهجها وسياساتها، ودون أن نسعى لقراءة في أوضاعنا الجارية، وتحليل مكوناتها وظواهرها،

وتوضيح الموقف منها، وفق معطيات نضالنا الراهن. وقبل أن نطبق هذا فعلا في كلمتنا هذه، نقف وقفة إجلال وتقدير لسبتمبر ورموزها، ونؤكد أننا دوما على دربها سائرون ولتحقيق أهدافها مناضلون، حيث نقول:-

 

ظلت الحركة الفيدرالية الديمقراطية الإريترية لعقد ونيف – وهو حقبة وجودها ككيان سياسي في الوسط الإريتري – تكرس جهدها الفكري والنضالي اليومي باحثة عن مساحة ممكنة بين مكونات قوى النضال المرحلي الحالي، يمكن فيها وضع لبنات أساسية لكيان نضالي مرحلي جامع لكافة أطيافها السياسية والمدنية والمجتمعية والفئوية- وبكل ما تحمله من خلافات وتباينات وتناقضات، تتراوح ما بين الموروثات التاريخية، وما خلفته أزمات مرحلة الثورة، وما أنتجه إنفراد فصيل بمكتسبات النضال الإرتري، وتكريسه لأوضاع في العقدين الماضيين، تعتبر محل خلاف وتباين– ليكون هذا الكيان المرحلي البوتقة التي تصهر فيها طاقات مختلف هذه القوى، لإنجاز التغيير الذي تلهج به كافة الألسن الإريترية اليوم، آنى كانت مشاربها ودوافعها وتطلعاتها.

والدافع الأساس لهذا المسعى النضالي المرحلي كان- ولم يزل- إيمانها العميق والراسخ بأهمية خلق ثقافة إريترية حديثة قادرة على إكساب الثوابت الوطنية الإريترية آفاق رحبة، لمفاهيم باتت مفرداتها تطرح في الخطاب السياسي والثقافة الإريترية، ومن أهمها التعددية السياسية والقبول بالآخر والديمقراطية والشراكة الوطنية وغيرها، خاصة وأن تأثير هذه المفردات تتجاوز طنين الحداثة اللفظية في مسامع الأذن الإريترية ذات الاحادية السمعية في كافة المستويات، إلى أبعاد أكثر شمولا، وتتطلب من واقعنا السياسي والمجتمعي والثقافي إثبات قدرته على التعامل معها في مختلف اطره التنظيمية، خاصة كانت أم عامة، وبما يبلور مشهد إريتري مختلف عماّ ساد الحقب الماضية، في سياق إيجاد الأرضية اللازمة للتغيير المنشود، والذي تتبارى مختلف هذه المكونات لتحقيقه بجهدها الذاتي أو الجمعي على السواء.

والدافع المباشر لتسطير هذه الكلمة يتمثل فيما يتصل بين تلك المفردات، وعلاقتها بتفاعل معطى وظواهرعامة، ألقت بظلالها في المشهد الإرتيري خلال عامنا هذا، على صعيدي السلطة وقوى النضال من أجل التغيير، وتتطلب منا قراءة مختلفة رأيناها كما يلي:-

على صعيد السلطة:

هذا المعطى تمثل في الحديث الباهت والمبتسر الذي ورد في كلمة رأس السطة بمناسبة ذكرى الرابع والعشرين من مايو الماضي2014م، عن إعداد دستور جديد للبلاد، بعد أن قطع جازما في حديث سبقه بأشهرمعدودة (.. أن من يحلم بإرتريا تمارس فيها ديمقراطية وتعددية سياسية وإنتخابات، مثل بقية دول العالم، إنما يعيش في كوكب آخر ..!؟)، وكأنّ إريتريا وإنسانها غير جديرين بذلك مثل بقية الدول ومواطنيها..!؟ فما أفظع الصلف والغرور المرضي الذي بلغه رأس هذه السلطة ..!!؟ والسؤال في هذا الشان لا يتمثل في ماذا الذي بدّل تلك القناعة الراسخة والجازمة، وتحوّلت إلى تقديم وعد – يتحقق أو لا يتحقق- ولكن ما المانع أن يكون ذلك مقدمة لتكريس معطيات الواقع الإريتري الحالي، وإكسابه مشروعية ما، لدق إسفين في قادمات الأيام، وتسميم مستقبل الأجيال القادمة..!؟

 -وقراءة للمعطى والظواهر، فإننا في الحركة الفيدرالية الديقراطية الإريترية، وبحكم تشخيصها لطبيعة السلطة القائمة في إرتريا، ووعينا بمحدودية قدرتها في إنجاز حلول للمآزق التي جرّتها على البلاد والعباد، ما كنا لنتفاجئ بتغيير أساسي يحدث بتلك الإشارة المبهمة التي أطلقت في سياق ما تعانيه السلطة من ازمات بين أركانها وأزلامها، ناهيك أن تنجز إختراقا جوهريا في مسلكها الثابت لعقدين ونيف من إمساكها بمقاليد الأمور في إرتريا. فالتحول إلى دولة دستورية، إنما يكون نتاجا لمتغيرات تحدث على الأرض، وتبادر إليها السلطة بقطع نهجها القمعي، وإعلان رغبتها في إجراء مصالحة وطنية شاملة، وتهيئة مناخ صحي للمشاركة العامة -أنى كانت مساحتها- وبعيد عن أساليب إيجاد ملهاة عند كل مناسبة يتفوه فيها كما درج على ذلك رأس السلطة. لذلك فإننا نرى بوضوح أن الدافع الأساسي لذلك كان مجرد رهان تجاه مطالب ومطالب الوفود الدولية الزائرة للبلاد في العامين المنصرمين، لإحداث تحوّل مقبول – من المجتمع الدولي في الحد الأدنى- ضمن نهج وسياسات إحتواء الوضع الإريتري، خاصة بعد حركة الحادي والعشرون من ينايرلعام 2013م والتي أربكت ليس فقط الساحة المحلية أو بين أطياف قوى النضال من أجل التغيير، وإنما إمتد أثرها للمحيطين الإقليمي والدولي، لضمان شكل من الإنتقال الهادئ للسلطة في البلاد، ودون أن يحدث ذلك إرباكا أساسيا في المنطقة التي تعاني تداعيات الإنهيارات والمتغيرات، ولتوفير مصوغات محلية تفضي لإستدرار عطف ودعم المجتمع الدولي، علّ ذلك يساعد السلطة في فك ضائقتها الإقتصادية . لكن ذلك لم يمنع أن نرى أيضا البعد الآخر لتلك الإشارة الخافتة، لإستحداث وضع دستوري جديد في إريتريا، يكون جوهر منطلقاته الفكرية وفصوله ومواده، تكريس ما تراه السلطة إنجازاتها الإستراتيجية في طبيعة الأوضاع بالبلاد، ومن أبرز ذلك المسخ الثقافي والتغيير الديمغرافي، عبر نهج وسياسات الإقصاء والتهجير والتوطين القسريين، في معادلة دستورية، تؤمن عناصر الصراع بين المكونات الإجتماعية الإريترية، بين المطالبين بالحقوق الطبيعية والمشروعة تجاه قضايا الأرض والتقسيم العادل للثروة والسلطة، وبين من يرون في أوضاع الراهن الإريتري، منجزا تاريخيا بجب دفاعهم عنه.

على صعيدي قوى النضال من أجل التغيير:

على صعيد الشعبية

إن التطور الأبرز - في صعيد قوى النضال من أجل التغيير - منذ نهاية العام الماضي ومطلع الحالي ، تتمثل في ظاهرة تحركات بعض رموز الجبهة الشعبية التاريخيين في الخارج، لتشكيل أطار سياسي، وسعيهم ليكونوا في صدارة قوى التغيير القادم، وفق حساباتهم، ولصالح ما يعتبروه إرثا خاصا بهم، ولإحداث التغيير بوسائلهم الخاصة أيضا، الأمر الذي يثير عديد تساؤلات في ساحة قوى النضال من أجل التغيير التاريخية. ونحن في الحركة الفيدرالية:-

(أ) ما يعنينا في هذا السياق بصورة مباشرة، بروز توجهات بين بعض االأفراد و"مشاريع التنظيمات" التي تعد نفسها في معسكر التغيير، وتتماهى مع أطروحات السلطة، ومن أبرز عناوين ذلك، السعي لضرب أسس الثوابت الوطنية الإرترية ورموزها التاريخية، والمطالبة العلنية في بعض المؤتمرات المنعقدة أخيرا لبعض هذه "المشاريع" ، بإلغاء وطنية اللغة العربية ورسميتها في إريتريا، وإقرار اللغة التجرينية لغة رسمية للبلاد، لأنها إستطاعت تحديد الهوية الإريترية عبر سياسات السلطة القهرية، بحسب إدعاءاتهم الباهتة التي تنم عن شيفونية بينّة، لا ينكرها سوى متواطئ مع من يطرحونها. والخطورة هنا لا تكمن فقط في ما يمثله ذلك من خرق لثوابت وطنية إرترية راسخة، لم تكن موضع نزاع، وإن لم تفعل كما ينبغي، وإنما ما يعكسه ذلك من بدء سلسلة تراجعات في كافة السياقات الأخرى، كالتعددية الإجتماعية والثقافية الإرترية، ومن ثم سياسيا، حاضرا ومستقبلا. وجوهر تساؤلنا في هذا الصدد، لايتمثل في ما الذي يتبقى من مشتركات نضالنا الراهن ومواثيقه المدبجة، إذا ما حدث تحوّل واضح وإصطفاف خلف مشاريع السلطة ضمن رهانات هذه القوى التي لا تخفي عدائها للقوى الميثاقية في محافلها الخاصة والعامة (ودي فيكارو ، ومؤتمر شباب مقلي وتداعياته نموذجان)، بقدرما نطرحه في كيفية تعامل وقدرة قوى النضال الحقيقية للرد على هذه الإنحرافات الكلّيّة بين أطياف بعض معسكر قوى المطالبة بالتغيير، وتحديد المواقف المشتركة لقوى النضال من ماهية وطبيعةالتغيير الذي ترتضيه هذه القوى .!؟ وهل يقف في حدود تغييب بعض رموز السلطة وأزلامها بأي شكل كان، والإبقاء على منجزاتها المدمرة للتكوينات الإجتماعية ووطنها المشترك خلال عقدين ونيف..!؟ أم يتعدى ذلك إلى تناسب مع مطالب التغيير الجذري في النهج والممارسة، كما تطرحها مواثيق وأدبيات كياناتنا العامة..!؟ تساؤلات مطروحة برسم الكيانات الميثاقية القائمة، والمنتظر إحداث نقلة ما في بنيتها ومسيرتها خلال الأشهر القليلة القادمة..!!؟ فلمن تقرع الأجراس ..!! وفي هكذا مشهد..!!؟

(بـ ) وبموازات ما ذكر أعلاه كان بروز تحركات بعض القيادات والكوادرالسابقة بالجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، خاصة بعد الهزة العميقة التي خلفتها حركة الحادي والعشرين من يناير العام الماضي (مدرك نموزجا) ، والتي فتحت أكثر من سباق بين هؤلاء القيادات والكوادرالسابقة - أصحاب مشروع إستنساخ تجربة الشعبية بدون أسياس - من جهة، ومن جهة أخرى مبادرة السلطة لإستنساخ تجربة الجبهة الشعبية التاريخية (برأسها وشحمها ولحمها) عبر سلسلة السمنارات التي عقدت في العام الماضي، ولم تزل مستمرة. وبرغم أن التزامن بين التحرك والمبادرة الإستنساخية يطرح تساؤلات ذات دلالات هامة، فإنه يمكن إعتبار ذلك أمرا مفهوما في ظل الدوافع المشتركة بين السلطة القائمة وكوادرها وقياداتها السابقين، بحكم أواصر الإنتماء التنظيمي والإجتماعي والثقافي.

وإذا كان من الطبيعي الإقرار بحق أي جماعة إريترية في تشكيل كيانها الخاص، وطرح مرئياتها الفكرية والسياسية وسبل تحقيقها أمام الملآ، فإن محور الساؤلات المشروعة أيضا تتمثل في قدرة هذه القوى على تجاوز الكثير من مفاهيمها التي ترسخت خلال عقود نضالية سابقة، وحقيقة التحوّلات التي إكتسبتها، بعيدا عن مؤثرات قربها من أركان السلطة، ومراكز القرار فيها، ولآي مدى تطرح مفاهيم ورؤى تقرّبها من قوى النضال المرحلي الجاري، خاصة وأن المطروح علنا منها لا يتجاوز السعي لإحداث تغيير من الداخل، وبما يحقق أهدافها التاريخية بصفة أساسية، وبعيدا عن كيانات وقوى النضال المرحلي الجاري ، ودون الإلتزام بأطرها أو التلاقي مع مواثيقها ..!! فلأي مدى يمكن إعتبار هذا معطى جديد ضمن صفوف المعسكر النضالي المرحلي ..!!؟ تساؤلات تبحث عن إجابات واضحة، وغير قابلة للبس والضبابية، وبعيدا عن الرهانات اللحظية، لتحقيق قدر من مكاسب، وإن كانت فاتورته أكبر مما دفع في التهافت الذي جرى، عقب التحرير في بداية تسعينات القرن الماضي. وهذه الإجابات مطلوبه من كافة قوى النضال، من كيانات عامة وخاصة، وشبكات مدنية وثقافية ومجتمعية، وبقدر أكبر من رواد هذا التحرك من قيادات كوادر سابقة بالجبهة الشعبية التاريخية، والمطالبين قبل سواهم بتقديم كشف حساب بمستوى ودرجات تغيّرهم، ليكونوا دعاة تغيير، ناهيك أن يتحولوا لقادته المنتظرين ..!!؟ فالمرأ، وكذلك الجماعات والكيانات الخاصة أو العامة، أسيرة نهجها الثقافي والتربوي ..!!؟ وما الذي يمنع أن يكون مشروعهم نسخا كربونيا آخر لمشروع الإستنساخ الذي تسعى إليه السلطة ودهاقنتها، فيما دعت الضرورات لجعله البديل المفضل عن قوى تغيير حقيقية يخلط وصولها الأوراق والحسابات والرهانات..!؟

الجزء الثاني (2) رابطة المنخفضات .. إضافة أم تبديد للجهد ..!؟

أما الحالة الثانية في إطار معسكر المعارضة، وما صاحبه من معارك إعلامية، بين بعض بني المنخفضات وكذا مع غيرهم، وفي ظل صمت سياسي من عديد التنظيمات السياسية، وكثير من فعاليات المنخفضات الأساسية، وذلك حتى تتضح الصورة وينقشع غبار الحماس العاطفي، وتهدء ردود الأفعال المنفعلة، وأهم من هذا كله، حتى تتضح المقاصد الحقيقية للرابطة والقائمين عليها، وليتم تقييمها تقييمًا رزينًا، إن كانت حقًا إضافة حقيقية للنضال الجاري - ومن ثم وجب الترحيب بها - أم هي خصما عليه وإنتقاصًا منه بل وإنقضاضًا عليه!! هل هي باب جديد يشغل التنظيمات الوطنية المناضلة والقوة الوطنية كافة - ولو لحين - في معارك جانبية وهمية ، أم ستكون عامل توحيد وتتناغم مع النضالات الجارية!! ونحن نعتقد أنه لا زال بيننا وبين هذا التقييم المتأني زمن، وعلى الجميع عدم التعجل. ولكننا في الحركة الفيدارلية الديمقراطية الارترية، وبحكم إرثنا الفكري والسياسي في ساحة النضال الجاري، وكذلك للتفاعل القائم بين قضايا مجتمعنا، وطرحنا للنظام الفيدرالي أساسا لمعالجة المعضلات الإريترية تاريخيا ومرحليا ومستقبلا وعليه انطلاقا من هذه الحقائق نقدم مرئياتنا التالية:-

أولا: لقد ظلت مفردة المنخفضات تتأرجح في التاريخ الإريتري المعاصر، بين تفسيري نطاق الحيز الجغرافي الممتد من السهول الشرقية إلى الشمالية والغربية، برغم وجود مساحات مقدرة من الجبال والهضاب، ضمن تضاريسها الجغرافية وكذلك الدًّلالة الضمنية التي تُمَوِّه أطروحات ومواقف سياسية من بعض أبناء المرتفعات الإريترية، وكذلك بضع من أبناء المنخفضات الذين يجدون في مكتسبات حياتهم ودرجات تطورها النسبي ومعارفهم التعليمية تميزًا، يتيح لهم مسافة، للتعبير عن إختلافهم مع إطروحات إقليمية. وبهذا البعد، فالمفردة في الأساس لا تعني بأي شكل من الأشكال الحيز الجغرافي المشار إليه، بقدر ما تمثل الحديث عن إنسان يمثل قطاعا واسعا من سكان البلاد، إن لم نقل أغلبية سكان إريتريا، وتتسم مكونها بالتعدد الإجتماعي والثقافي والديني، والتعايش التاريخي، ما يجعلها محور التّميّز والفرادة الإريترية ماضيًا وحاضرًا ومستقبلا. عليه فإن هذا الإنسان المعني بالمفردة من سكان إريتريا الذي يتمتع بهذا الثقل الكمي والنوعي والريادة التاريخية، بالضرورة أن تتسم خياراته بالبعد الوطني العام، ولا تنحصرإلى ما دونه، إذ إن ذلك يسلب هذا المجتمع مكانته المدنية والتطورية الرائدة، خاصة وأن الدور التاريخي لهذا المجتمع كان له الأثر الحاسم في وجود الكيان الوطني الإريتري، بكل مكتسباته المتحققة، وكذا المزمع معالجة قضاياه الراهنة. وليس من الطبيعي أن يُستَبْسَر كهذا مجتمع، في محدودية الحيز الجغرافي الذي تدّل عليه المفردة، أو يتم التعامل معه بعقلية ماضوية، كان لها مفاعليها في تكريس الواقع المرفوض حاليا في بنية الدولة الإريترية، إضافة للظلم المعلن والممنهج الذي يتعرض له سكانه، وفرض التهجير القسري عليهم، ودفعهم للذوبان في دول إمتداداتهم الطبيعية، لوجودهم الجغرافي والإجتماعي والثقافي والديني. أيضا- لا نعتقد أن مجتمع بهذا الثقل في صدارة صنع الوطن أن يركن إلي الإنزواء طوعيًا في حيز أضيق مما هو حق مكتسب ومتاح له، وكأنه أقلية ومن التخوم الكائنة في زاوية قاصية من الوطن، تضع نخبه وطليعته طاقاتها في جمعيات مدنية تستجدي ما يشبه حقوق الأقليات، بدل رصّ صفوفها وتجميع طاقاتها فيما هو متاح من التنظيمات السياسية والنهوض بها ومعها، كما لا نعتقد أن تعبر عن الخيارات المصيرية لهذا الحيز ردود افعال عاطفية ظرفية.

ثانيا: إن مناقشة مضمون وثيقة الرابطة بمعزل عن عمقها التاريخي والمجتمعي، وعدّها مجرد رد فعل لحظي، فرضته أوضاع وظروف إستثنائية، يمكن إعتباره سعي للهروب من إستحقاقات المرحلة النضالية الجارية، والأسس التي يجب أن تستند عليها في معالجة المعضلات الإريترية، بمعايير شاملة، تجمع بين الحقوق المشروعة للمكونات الإريترية، والمظالم التاريخية، وأولوية النظر تجاه أوضاع المتضررين تاريخيا وواقعيا أكثر من غيرهم، عند الحديث عن تغيير منشود في المشهد الإريتري العام. وليس من الحصافة الفكرية والسياسية والثقافية أن لاتحظى الرابطة من الإهتمام والنظر، وكأنها تجري في محيط لاعلاقة له بالتغيير المنشود، وفي كافة أبعاده السياسة والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وكأننا نكرر ذات المنطلقات التي دفعت رأس السلطة القائمة اليوم في أسمرا- أنى كان نعتنا لطبيعتها وتوصيفها، وإجماعنا على رفضها- ليتحدث عن حقوق طبيعية مشروعة للمجتمع الإريتري، كأنها ضرب من خيالات من يعيش في كوكب آخر..!! فيكون التلاقي بين خفوت صوتنا ونبرتنا ، بين عقلية مريضة ، نرنو للخلاص من هيمنتها، فردية كانت أم ذات جذور أعمق في الواقع الإريتري المعاش ..!!؟ أليس في هذا بعدا مأساويا في المشهد الإريتري القائم ..!!؟

ثالثًا: بالضرورة ان نقر بحق أي قطاع إجتماعي أو ثقافي أو سياسي إريتري في التعبير عن نفسه ، وطرح مرئياته وحلوله للواقع القائم في إريتريا، وتحديد إسمه بخياره، دون أن يعني ذلك حقا حصريا له في التمثيل الملزم لمن يشملهم المسمى والحيز الجغرافي المعيّن، فكل ما هو قائم في الواقع الإريتري هو نتاج حالة غير مستقرة في البنى الإجتماعية الإريترية وخياراتها الدائمة، فالزمن الإريتري القائم هو نتاج مآزق معضلات فرضتها مراحل تاريخية سابقة، بأكثر مما كانت خيارات تعبر عن واقعه المعاش.

رابعًا: نرى ضرورة الإبتعاد عن إطلاق العنان للتشويه والإسقاط السياسي، تجاه أي أطروحة تقدم من أناس لهم الحق في التعبيرعن أنفسهم، وبعيدا عن مضامين الورقة المطروحة للنقاش والتحاور، وبالذات نرفض ممارسة نقد الورقة إنطلاقا من التعصب ذاته.

خامسًا: أحسنت القوى السياسية التي تعاملت بمبدأ (قل خيرًا، أو أصمت) – صدمة كان ذلك أم خشية وتعقّل - برغم وجود قدر من التقليل والتحجيم لدورها التاريخي والمرحلي القائم من قبل اصحاب الرابطة، ، وكانت تعدّها القوى السياسية المناضلة الحالية في موقع النصير والداعم ، لتجدها في موقع إعداد نفسها لتكون بديلاً عنها وعلي أنقاضها، وبرغم ذلك فإن تعاملها دون إنفعال لحظي يتيح أرضية ممكنة للتحاور بينها وأصحاب الأطروحة، للتوصل لتفاهمات مشتركة ، ويفضي إلى تكامل أدوار، لتجاوز إخفاقات ومصاعب الواقع الراهن، لصالح قوى النضال المرحلي الجاري.

سادسًا: من الضرورة بمكان الإشارة إلى بعض الخلل البنيوي الأساسي الذي ورد بـ"الوثيقة المشتركة لأبناء المخفضات"، مثل ما ورد بالمقدمة (..أن تكون البداية ترتيب البيت الداخلي لكل مكون على حده ومن ثم السعي الحثيث لتوحيد الجهود فى الشأن العام .. إلخ) - أي العودة إلى منهجية التفكيك والتركيب الذي طُرح بُعيْد تأسيس الحركة الفيدرالية، والذي كان فحواه الدعوة للخروج عن الكيانات السياسية التي كانت قائمة، وإحداث فرز قبلي وإثني في صفوفها. ورُفِض هذا المنهج التفتيتي رفضًا قاطعًا من غالبية مؤسسي الحركة الفيدرالية، وأنتهي الأمر بخروج هؤلاء من الحركة. فهل إثارة مثل هذه الدعوات مجددا وبمسميات أخري - في حين تطورت فيه أدوات النضال المشتركة من مجلس وطني للتغيير وكيانات مدنية ذات آفاق وطنية أرحب- ووصلت فيه روح الهقدف إلى الحلقوم - يهدف إلى تفكيك الكيانات والمظلات النضالية المرحلية القائمة..!!؟ وهل يُعقل أن يحدث هذا التقهقر من كل قيم الثورة الوطنية وتضحياتها، وبهذا الشكل..!!؟ ولمصلحة من..!!؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات...!!؟ هذا إضافة إلى متن الوثيقة الذي جنح إلى النيل من القوى السياسية، بوصفها عدم إمتلاك القدرة للتخطيط الإستراتيجي أحيانا، والتحدث إليها بعبارات إستعلائية، وفرض وصاية عليها عبر دعوتها لبناء مظلة تحت رعايتها حينا، وإعتبارها غير جديرة بمهمة تحقيق أهداف أبناء المنخفضات الإريترية حينا آخر. في وقت تفتقر فيه الوثيقة إلى مرئيات ووسائل محددة لتحقيق التغيير المطلوب جهويا كان أم وطنيا شاملاً، ناهيك أن تقدم رؤى إستراتيجية بديلة..أيًا كان.. هذا إن لم نعتبر كلمة "لـمْ الشّمْل" إستراتيجية في حد ذاتها..!! وإن أعتبرناها كذلك، فإذن : كيف وعلى ماذا يتم لـمْ الشَّمْل..!! ومن هي الأطراف المراد لمَّها...!! وإذا كان اللَّـمْ مُمكنا وسهلاً فلماذا لا نوسع الدائرة قليلاً حتى تسع خارطة إرتريا الصغيرة بملايينها الأربع ...؟ ولماذا تفرقت هذه الأطراف أصلاً...!! أليس لكل منها كتابًا ومنهاجًا .. والتي هي سنن من سنن الله في الأرض...!! إن قيام المظلات والتحالفات ضرورات سياسية مرحلية، لا تأتي من فراغ أو تلبية لمنادي من ربوة في أسفل الوادي، أو رغبة ذاتية لمتفرج على الشاشة من على بُعدٍ، بل تفرضها موازين القوى على الأرض، وتُمليها إستراتيجيات وتكتيكات محسوبة ومدروسة للقوى السياسية وقياداتها الواعية بتطورات الأحداث، كما تحكمها أحيانا عوامل إقليمية ودولية عابرة للدول والقارات، من تلاق وتناقض في المصالح والأجندات الإقليمية والدولية. أما غير ذلك في عالم السياسة يعتبر "لمّ الكيمان" شعور عاطفي عابر لا يصمد أمام حقائق المصالح المتضاربة والأيدولوجيات المتناقضة والبرامج والأهداف المتنافسة. أما المطروح من "لمْ الشَّمْل" معلوم ، والعاطفة نحوه مفهوم، وكيفية الوصول إليه مجهول، أما الرد على سؤال على ماذا يلتم الشمل معدوم. أليس التوجه "أنكم فشلتم وتفتقدون الى إستراتيجيات وخطط فتعالوا إلى مظلة نشرف عليها نحن ونوجهها لكم" ينم عن سعي لتبرير كيان سياسي جديد يُمهد الطريق لإصطياد حلول جزئية..!؟ وهنا مكمن الخطورة، لأن هذا سيحيل مشروع التغيير الوطني الشامل، إلى نمط ترويج لحلول جزئية، وتضيف في المعضلات الإريترية المعقدة أصلاً، وهو ما ينسف من الأساس السعي لتغيير الواقع في المنخفضات الإريترية، قبل غيره من أهداف التغيير، كالشراكة الوطنية، والقبول بالآخر، والتعددية السياسية، والتحول الديمقراطي. ايضا الا يمثل تدشين هذه الحملات دعما لمقولات اسياس عن المقاومة و تنظيماتها خاصتا في هذا الظروف الذي اطلق فيها النظام بعد الاشارات تجاه مظلومية بعض المناطق (سمهر و ساحل) مبديا عدم ممانعته للتحاور مع مكوناتها الاجتماعية بعيدا عن كياناتها السياسية لينسخ تجربته السابقة بدعوة الافراد من التنظيمات السياسية للدخول الى ارتريا مجردين من اطاراتهم السياسية, مما يعني البحث عن تغير يناسب النظام و ليس تغيرا جوهريا له. وان استهجان مكانة الكيانات السياسية التي اثبتت قدررتها على البقاء و الاستمرار رغم الظروف المحيطة بها لا يخدم التغير المنشود. و بالتالي إننا ندعوا إخواننا الى قراءة جديدة ومتأنية ونلفت إنتباهم إلي المخاطر المحدقة بنا جميعًا.

سابعًا: برغم أن السائد في أدبيات القوى السياسية الإريترية هو بذل قصارى الجهد لإخفاء علاقتها بمكون إجتماعي إريتري معيّن، وعلو صوتها بالشعارات الوطنية، لإبراز هاماتها النضالية دون الآخرين – وكانها كائنات منزهة عن الإنتماء الإنساني والإجتماعي، وذات رسالة أشمل وأعمق وأكثر بقاءا وصفاءًا من الثقافة الإنسانية ومنتوجاتها– فإن الحركة الفيدرالية الديمقراطية الإريترية، وبدءا من مرحلة إرهاصات وتبلور أطروحتها النظرية وإلى واقعها الراهن، ما كان لها أن تبدي خجلا من إنتماء غالبية عضويها للمنخفضات. بل وأن الجذر الأساسي لطرحها النظام الفيدرالي، كان الخيار الأمثل الذي إرتأته عضويتها، للخروج من بوتقة أزمات أبناء المنخفضات الإريترية في الصعيدين الخاص أو العام، وكذلك لقطع مسلسل المظالم التي طالت هذا المجتمع، منذ أربيعات القرن العشرين وإلى يومنا هذا، مع بقية المميزات التي يوفرها النظام الفيدرالي لتنظيم وصيانة حقوق الآخرين. فمن يرفض العدالة والإنصاف والشراكة..! ومن يريدنا العيش فى دوامة صراعات مجتمعية، ومن يراهن علي فائدة التنظيم والحشد ضد بعضنا بدل ان نرمي معًا تجاه النظام..!!؟. ونتيجة لطرحها هذا تحملت الحركة طوال الفترة الماضية الكثير من الأذى والحملات، ممن يرون في أطروحاتها، إمّا حدًا من فرصتهم القائمة في تعزيز مكاسبهم المنجزة، وإمّا إقفال أبواب الفرص المتوهمة أمامهم للإستحواز في مرحلة تالية. وفي خضمّ هذا فإن تكريس جهدنا لعقد ونيف في سبيل بناء مشتركات نضالية إريترية حديثة، والدعوة الى حوارات وبناء مظلات تثري إرث التعايش السلمي بين المكونات الإجتماعية الإريترية، وتفسح المجال أمام أجيال المستقبل الفرص، لبناء وطن يلبي تطلعاتها المشروعة، يشهد على عُمق الإلتزام النضالي والقيمي الذي أرتضيناه سبيلاً وثابتًا نضاليًا لا يتزعزع. كما لم يساورنا أدني شك أو نرتبك لحظة بين الإنتماء لمكوّن إجتماعي معيّن والدفاع عن قضاياه الخاصة، وبين بقية الواجبات الوطنية العامة.

ثامنًا: لم يكن خافيًا على أحد طبيعة العلاقة بين أطروحاتنا النضالية المرحلية والمستقبلية، وما ذهب إليه مؤسسوا الرابطة ومن ثم الوثيقة المشتركة لأبناء المنخفضات. ولذلك فإن الحركة التي إرتضت منذ البدء أن تكون عامل تفاعل (catalyst) وتقريب بين عديد قوى متباينة، فقد ناضلت بلا هوادة منذ عقد ونيف، في بوتقة تحقيق ملتقيات وطنية للحوار، وكيانات ومظلات النضال المرحلي الجاري (تحقق فيها بإجماع فريد إقرار الكثير من الإستحقاقات التي نادينا بها وتنادي بها الرابطة نظريًا). ولهذا فقد آثرت الحركة أن تتعامل بعقلية منفتحة تجاه الأقربين الذي خالفوها الرأي والوسائل النضالية، لتحقيق المشتركات الإستراتيجية، فكان – ولم يزل- ذاك التعامل والتفاعل الهادئ، وبعيدًا عن أساليب الدفاع المشروع، عن المكتسبات التي تحققت لصالح المشروع الفيدرالي، كمخرج من الأزمات الموروثة أو القائمة في إريتريا اليوم، لتتحول الفيدرالية من مشروع مجموعة محدودة، إلى عنوان الديباجات الميثاقية للكيانات النضالية الحالية، أو تزدهر به غالبية برامج كيانات القوى السياسية والمجتمعية والثقافية برغم حقوق الملكية الفكرية والنضالية للحركة الفيدرالية الديمقراطية الإريترية لعقد ونيف. فإنها وأمام هذه المشتركات مع الرابطة، والتي تتقارب بقدر كبير مع تحليلات وبرنامج الحركة التي كان لوجودها ودورها وسط قوى النضال الجاري إسهامًا مميزًافي بلورة الواقع النضالي القائم، فإنها معنية قبل غيرها بالتحاور الجاد مع من تعتقد انهم يشاركونها الإنتماء والإرث النضالي- ولكن دون التردد في نقدهم كما ينبغي، وإنطلاقًا من الحرص علي التقويم والمناصحة وبعيدًا عن ربوة العصبية المقابلة - وذلك من بُعدٍ له أهيمته في مسألة الإلتزام، ولصالح نضال مشترك مرحلي وإستراتيجي في آن واحد.

تاسعًا: برغم التقليل الذي ذهبت إليه بعض فقرات الوثيقة، بشأن قدرة القوى السياسية على تحقيق المطالب المشروعة لأبناء المنخفضات، وهو أمر يمس مباشرة بما حققته الحركة الفيدرالية من مكتسبات المبادرة والنشر والتوعية والتبشير والمنافحة، بأسس جديدة في إدارة الشأن الإريتري العام في مستوييه المرحلي والمستقبلي، وتكريس جهدها في عقد ونيف كحارسة ومدافعة قوية في مطابخ القرارات المحلية والأقليمية والدولية جُهدًا وإنجازًا لا ينكره إلاًّ ذي غرض. ولكن تجاوزًا لكل ذلك، وسعيا لواقع أفضل:

فإننا في الحركة الفيدرالية الديمقراطية الإريترية، وإستيعابا لدورنا في مختلف ساحات إنتمائنا السياسي والإجتماعي والثقافي، لندعوا كل المتّسمين بإرثهم النضالي والإلتزام في واقعهم الحالي، لحوار رصين وهادئ للمعطيات الراهنة، واضعين في الإعتبار حقائق الواقع الإريتري، وضمان المشروع النضالي المرحلي، وبناء كيانات حديثة ومتطورة، تفضي لإنجاز المهام النضالية المشتركة الحالية، وتفتح الآفاق أمام وضع قواعد ثابتة، لصروح الأهداف المشتركة، للتغييرالذي ننشد في إريتريا. فالأقربون أولى بالمعروف، وإن كان ذلك حوارا فكريا وسياسيا له منابره وقنواته وأساليبه ومعاييره المحددة، وختاما وأولا وأخيرا، فإنه لا يمكننا سوى أن نهتف - وأيضا وبدون خجل أوغرور وصلف – (أن لا وجود لإريتريا دون منخفضاتها وإنسانها، ولا وجود للمنخفضات دون تضاريس وإنسان إريتريا الآخر!). وآخر دعوانا : أن ِاللهمّ أفتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ..!!

01 سبتمبر 2014م

وفيدراليتنا للشراكة !!

وإلى كلمة تالية،،

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1