Loading Player...

ثقافة التضحية

بقلم : محمد  عثمان حمد

Sacrificeحكاية من تراثنا الشعبي، تقول انه في يوم من الأيام ضيفت امرأة صديقتها على الغداء، فقدمت لها وجبة دسمة أساسها السمك. لاحظت المرأة التي أقيمت الوليمة على شرفها، ان السمك الذي قدم لها دون الرؤوس والذيول، والتي هي ألذ الأجزاء في السمك، فأخذت على خاطرها، لأن ذلك يعد تصرفا غير لائق بحقها.

 

 

فسألت مضيفتها قائلة يا صديقتي  العزيزة، أشكرك على طبختك اللذيذة  هذه، ولكن أين الرؤوس والذيول في السمك. ردت الصديقة على الصديقة قائلة إنني في طبختي أقص الرؤوس والذيول في السمك. فسألتها لماذا، ما هو السبب؟ فقالت: رأيت أمي تفعل ذلك، فنقلت منها هذه الطريقة.

فيحول السؤال إلى أم المضيفة التي قالت أنها وجدت أمها تطبخ السمك بتلك الطريقة، فيمرر السؤال إلى جدة المضيفة، فقالت أنها كانت تقص الرؤوس والذيول من السمك، لأنه في أيامها، وفي  ذلك الزمن البعيد، كانت الغلاية التي كانت تطبخ على سطحها السمك ضيقة وصغيرة، فكانت تضطر أن تقطع الرؤوس والذيول في السمك لتناسب حجم الغلاية!.

الواضح،  انه  في البدء، كان لقطع الرؤوس والذيول في السمك سبب وجيه لدى الجدة والتي كان تصرفها معقول لتكييف طبختها حسب حجم غلايتها، ولكن هذا التصرف في حال بنتها وحفيدتها أصبح تقليدا غبيا، ولم يعد له مبرر، غير انه استمر ممارسته بسبب الجمود في التفكير عند المرأتين، فقتلت  لديهما القدرة على التجديد، وبذلك لم يحدث أي تغيير في غلي السمك لثلاثة أجيال متتالية. تخيل كم من الجمود حدث في سلوك المرأتين، وكم من الغذاء أهدر بسبب هذا التقليد الغبي!.

نحن من ذلك الشعب الذي أفراده يغرقون في آفة التقليد والتكرار ولذلك لا نرى التجديد والتغيير، وندور في الدائرة التي قطرها لا يتغير ونجتر أحداث الماضي، وخاصة تلك الأحداث التي نعتقد اننا كان لنا فيها السبق والإنجاز العظيم، وتلك الأحداث التي مرت عليها الآن العشرات من السنين، فنعيد تلك الأسطوانة المشروخة من كثرة تكرارها، فنعيدها  بفخار كبير قائلين نحن الذين فجرنا الثورة، ولم نذعن لابتزاز العدو الإثيوبي، فرفضنا الإغراءات وأبينا ان نبيع الوطن مقابل منافع مادية آنية من الأراضي والمعاشات والهبات والهدايا،  ولو لا مواقفنا الوطنية لكان قد وقع تقسيم البلد ولما رأينا الآن بلد اسمه إرتريا، وعلمه يرفرف بين أعالم الدول، فحافظنا على الوحدة الوطنية،  وان إخواننا المسيحيين فجلهم ولا نقول كلهم حتى لا نبخس حق القلة القليلة منهم، قد صفوا مع العدو لمدة خمسة عشر عاما من بداية الثورة، ونحن ظللنا نعاني الأمرين إما القتل أو اللجوء، فكانوا الكرابيج التي تجلد ظهورنا، فخرجوا إلى الثورة عندما تغيرت السلطة في إثيوبيا، وإقصاء الملك مذلولا ثم وضعت جيفته تحت أرضية المرحاض، وفقدت الكنيسة وكر العمالة مكانتها وعزوتها، وهي التي جرتهم إلى ذلك المصير المخزي، إلى حضن ذلك الملك اللعين الذي أوهمهم بالجنة الموعودة، وان الثورة التي وقفوا ضدها ونشطوا في القضاء عليها سوف تنتصر لا  محال، بالرغم من كل تلك الجرائم قبلناهم قبولا حسنا، فاستقبلناهم كأنهم لم يفعلوا شيئا، فقلنا عفا الله عما سلف، ولكنهم تمادوا في جرائمهم أثناء حرب التحرير، فكانوا  البؤر التي تبث منها الفتن والمؤامرات،  فاستقوا  بالتجراويين، فحسموا الصراع  لصالحهم فأخرجونا  من اللعبة فسلبوا منا الثورة، وثورتنا ونحن الذين مفجروها، إلخ إلخ.

نكرر ذلك بمناسبة ودون مناسبة مع اعتقادنا الجازم بأن تكرار هذا الموال لن يجلب لنا أية فائدة، غير اننا نستميت في تكراره، على أمل أن نكتسب منه القوة الغائبة، فأصبح حالنا كحال البعير  الذي يكد في معصرة الزيت معصوب العينين والمربوط  في القيد يدور حول الدائرة التي لا يتغير  قطرها أبدا، والأحداث من حولنا تتسارع، ونحن في مكانك راوح. هل نحن من الشعب الذي أفراده مجردين من الذكاء والجرأة والإبداع؟.

الذكاء من الدماغ والجرأة من الخصيةّ! ربما المغول أول شعب عرف ان الجرأة من الخصية وليس من القلب!. جنكيز خان "تموجين الكبير" بنى جيشه من وحدات أولية أساسية تتكون من ثلاثة أفراد، وكان يختار جنوده الشجعان بعد الفحص على الخصي بين أفخاذهم، ومن كان خصيته أكبر يولي قائدا على الوحدة القتالية، ويجعل أصحاب الخصي الصغيرة يخدمون في إعداد وتجهيز الطعام، وفي أمور غير قتالية، وهو التقليد الذي اتبع من قبل أولاده وأحفاده من بعده، أولاد المغول وحوش البشر، الذين غزوا العالم من على ظهور خيل قزمة، طعامهم من حلبيها وماءهم ومن دمائها.

الذكاء، ألبرت آنيشتاين، العبقري الذي عرف أسرار الأرقام، والذي كان يتعامل مع أعقد المسائل الرياضية والفيزيائية، كما لو أنه يقلب حفنة من الرمال بين يديه ليعرف عددها، وهو الذي ضع صيغة القنبلة الذرية "ليتيل بيبي" التي ألقيت على هيروشيما ونجازاكي في اليابان التي كانت إمبراطورية البحار، عندما أخذت أمريكا على حين غرة في "بيرل هاربر"، فجعلتها ترتعب وتولول،  وباختراعه الشرير أنقذ أمريكا من هزيمة مذلة، وعند وفاته فحصوا خلايا دماغه.

الجرأة، أثناء غزوة منهاتين، وصاحبها أسامة بن لادن، تعجب الأمريكان من شجاعته، كيف تجرأ هذا الأعرابي الذي يفترض انه لا يعرف غير أمور الإبل، بضرب أمريكا الجبارة على يافوخ رأسها، وهي في عقر دارها، وفي أكثر الأمكنة المحصنة على وجه الأرض، فعندما تمكنوا منه فقتلوه فحصوا خلايا خصيته. إذن، كان المغولي "تموجين الكبير" على حق"!.

التضحية، معروف عن اليابانيين انه من الشعب بلا دين، ومع ذلك فان أفراده يعتقدون بثقافة صارمة تمجد الشجاعة والإيثار والكبرياء والإباء والأنفة والشرف. أثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما اقتربت بارجة أمريكية عملاقة مدمرة من أرضهم، تهافت الطيارون اليابانيون لتسجيل أنفسهم كانتحاريين ومن لم يحن وقته في الانتحار أو أستبطأ أن يأتي دوره ليفتدي وطنه لينال الشرف العظيم، انتحر من نفسه، حتى لا يرى نزول جنود الأمريكان ويدنسون بأقدامهم سواحل بلاده.

الهنود والسيلانيون، نقرأ بين فينة وأخرى على صفحات الجرائد انتحار الأفراد من هاتين الجنسيتين، وتحت ذلك الخبر عبارة متكررة تقول أن المنتحر ودعها بحبل ملفوف حول رقبته، أو رمى نفسه من العلو، أو تناول السموم، أو بأية وسيلة قاتلة، وكان يمر بضائقة مالية، ففشل أن يبعث المال لتزويج اخواته البنات، أو أخفق أن يرسل مصاريف لأولاده أو لأمه أو لأبيه، أو لأسرته.

ولكن الحقيقة هي، لا يقتل الهنود والسيلانيون أنفسهم بسبب الضائقة المالية، لأن الفقر مستوطن عندهم، بل يفعلون ذلك دفعا من قيم إنسانية تتعلق بالكبرياء ورفض العيش في ظل الغبن والذل ولابد أنهم يجدون في قتل أنفسهم السمو الروحي والخلاص من المعاناة.

أما في حالنا، يجب أن نعترف اننا من ذلك الشعب الذي أفراده  غير قادرين على تقديم التضحية، بالرغم اننا نعتقد بثقافة الاستشهاد،  ووجود الحياة غير هذه الحياة، في حال متنا ونحن  ندافع عن حقنا في ان نعيش حياة كريمة خالية من الظلم والغبن والذل. وهل فعلا نحن نعتقد بهذه الثقافة؟. لو كنا نعتقد بها كما نكرر في أحاديثنا، لنلنا الاعتبار والاحترام أو التقدير من الذين يحتقرونا ويدسون على كرامتنا، ولا يعملون لنا الحساب كالعبيد.

أين نحن من تضحيات اخواننا في فلسطين والعراق وسوريا وأفغانستان، الذين يلجأون إلى ثقافة الأحزمة الناسفة لبث الرعب في قلوب الأعداء. محمد ضيف المصري القائد العام لكتائب عز الدين القسام، والذي كان أكثر العناصر القيادية المؤثرة في حرب خمسين يوم في فلسطين، والذي هو مطلوب رأسه لدى دولة الصهاينة، علما انه رجل مقعد يتحرك على كرسي بعجلات، والذي كان ممثلا مسرحيا في بدايات حياته، وهو الذي مسك بزمام الأمور في غزة، لا إسماعيل هنية أو خالد مشعل.

لن تأتي الحرية التي نطالب بدون التضحية بالنفس والمال. إن مشكلتنا تتلخص إننا غير قادرين على تقديم التضحية، وبدون التضحية، على الدنيا السلام.

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1