Loading Player...

السلطة

بقلم: محمد عثمان حمد

salladيحكي التاريخ عن الدولة العلية العثمانية، التي ظلت قائمة لمدة ستة قرون، أن أحد السلاطين فيها عندما رأى التنافس الشديد بين أبنائه على السلطة، فخشى أن يترك الأمور على ذلك النحو، فاختار أن تنتقل السلطة إلى أحد أبنائه وفعل ذلك وهو في الرمق الأخير من الحياة.

 

وكان ذلك، وفي اللحظة الأخيرة، وهو ينازع سكرات الموت، الشهيق والزفير، الصدر يرتفع ويهبط، وقبل أن تنحصر الزفرة في الرئة، طلب ذلك الابن المحظوظ، وأمام أربعة شهود من خاصته، ومن خلف الأبواب، فأقر أنه يوصي بالسلطة لذلك الابن، ثم صرف الشهود واستبقى الابن على الإنفراد، فسأله هل تريد أن تستقر لك السلطة، فرد عليه الابن نعم يا أبتي، فقال له اقتل جميع أخوانك.

فكانت أولى تحركاته لتثبيت أركان سلطته أن يقتل أخوانه واحدا بعد آخر وفعل ذلك بأعصاب باردة، قتل القتيل ومشى في جنازته، وهو متسربل بالحزن، لهذا يقيم وليمة معتبرة ويدس السم في الطعام، ولذاك يفلت ثعبان في الفراش، لآخر يبعث قاتل محترف بيده خنجر معقوف سام، بل بث قتلته إلى أركان إمبراطوريته الواسعة، يلاحقون الضحايا حيث ما كانوا، وليتأكد من موتهم، كان يأمر بأن تجلب له الرؤوس محفوظة في قرب مليئة بالعسل، وكان يحتفل على خلفية كل إنجاز، ثم يقيم لهم واجب العزاء، ولم يقم  بأي مشروع في دولته إلا بعد أن تقبل آخر التعازي بآخرهم.

تلك السيرة من إمبراطورية عثمان الأول بن أرطغرول، المؤسس الأول، ونجد مثل هذا التصرف في كثير من أحداث التاريخ، حيث ثلاثة من الخلفاء الراشدين قتلوا من أجل السلطة، فما حدث بعد ذلك من الصراع على السلطة في الدولتين الأموية والعباسية والدويلات التي ورثت أملاكهما، من حدود الصين في الشرق إلى الأندلس في الغرب، امتداد ذلك الصراع على السلطة، حيث سالت الكثير من الدماء، يتآمر الأقربون على بعضهم البعض للوصول إلى كرسي السلطة. ولماذا نذهب بعيدا في قراءة التاريخ، للنظر حولنا ونحن في هذا الزمن، هناك العديد من الحكام يتربعون على كراسي السلطة، بعدما غدر الابن بأبيه والأخ  بأخيه، وفي هذا بالذات انظر إلى منطقة الخليج العربي!.

المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وأضف إليهما السلطة، وأن من لا يذوق طعمها لا يعرف قيمتها، وأن الدول الحديثة في الغرب والشرق التي تشهد الاستقرار، حصل بعدما حسمت قضية السلطة، ذاقت المرارات والويلات في خضم حسم موضوعها، فما كان منها أن أقرت في نهاية الأمر، بتفكيكها وتقسيمها إلى أربعة أجزاء كل جزء له فعالية نسبية، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، ثم السلطة الرابعة هي الصحافة الحرة، التي تراقب أداء السلطات الثلاث، وهذا ما يطلق عليه فصل السلطات.

يا أخواننا الكرام، السلطة عزيزة وأن من يحصل عليها لا يتركها إلا هو مكرها، وعند الشعوب المتحضرة يتم ذلك بموجب الدستور والقوانين التي تنظم هذا الأمر، أما عند الدول المتخلفة التي تحبوا على عالم السياسية فإن ذلك يتم بالقوة. ولأننا لم نصل إلى ما وصلت إليها الدول الحديثة فإننا نعرف أننا لن نحسم أمرها إلا بطريقة واحدة هي القوة، يجب أن نسير بهذا الدرب ونحن مضطرون إلى ذلك سبيلا.

هل حصل إسياس على السلطة بسهولة؟.  كلا. عانى سياس كثيرا للحصول عليها، فهو طلبها منذ جبهة التحرير القديمة وسعى حثيثا من أجلها، فوجد إنه من المستحيلات السبعة أن يحصل عليها، فما كان منه إلا أن ينفصل بمجموعة أطلق عليها قوات التحرير الشعبية ب، على رأسها استطاع أن ينفرد بالسلطة، ثم أنضم إلى مجموعة قوات التحرير الشعبية أ، وعن طريق هذا الحلف الخبيث  من جانبه، والغبي من جانبنا، ومن فوائده تجاوز التصفية أثناء الحرب الأهلية، فسيطر على المجموعين، ليتمكن من ذلك أسال الكثير من الدماء، المنكعيين واليمينيين، من بني ملته، وأفراد آخرين منافسين له، ثم المؤتمر الأول للجبهة الشعبية، فأختار أن يمسك السلطة من الظل، فأطلق على نفسه الأمين العام المساعد، فترك السلطة الشكلية للأمين العام، لعمنا الكبير رمضان محمد نور، أطال الله في عمره، ثم نظر إلى من ينافسه من المسلمين، وتخلص منهم واحد بعد آخر، وكان أبرزهم إبراهيم عافا، ذلك العسكري الفذ، أما آخر العناصر المنافسين له من الحرس القديم، هم هؤلاء الذين حالوا مسألته، بعد فوات الأوان، عن تفرده بالسلطة وأخطائه الغبية في السياسية وإخفاقاته المخزية في الحرب الأخيرة، فما كان منه إلا ألصق بهم تهمة الخيانة والتخابر فأنزلهم السجن وغيبهم إلى الأبد.

إذن، لم يحصل إسياس على السلطة المطلقة التي جعلت من الدولة دولة الفرد، إلا بعدما ذهب في كل الدروب ولفترة طويلة، فعانى الكثير من العقبات، فلذلك يجب أن لا نتوقع أنه سوف يتخلى عن السلطة إذا لم تأخذ منه بالطريقة التي حصل عليها، واستخدام نفس الأسلوب، وفي ذلك يجب استخدام الفكر.

ومع ذلك، يجب أن ندرك أنه من المستحيل أن يقوم شخص واحد بنفسه بكل هذا الانجاز القذر، بدون أن يكون معه أناس يستفيدون من سلطته. كم عدد المستفيدين من سلطة إسياس، 50 ألف، 100 ألف، 150 ألف، وعلى أقصى تقدير 200 ألف، أعتقد أن عددهم لا يزيد عن ذلك، وهل نحن مستعدون أن نضع نفس العدد أمام ذلك العدد بالتكاتف والتعاضد، بدلا من أن يكون كل كيان مجموعة باسمه، لأنه كلما أوغلنا في سلوكنا هذا، أي هذا السلوك المجرد من الحيلة والبصيرة، فإن إسياس والذين معه سوف يبقون في أماكنهم، مستفيدين مما يتمتعون به من السلطة.

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1