جائزة حرب اليمن

بقلم / محمد عثمان حمد

توقع الإرتيريون ان حرب اليمن سوف تكون وبالا على الطاغية إسياس"، وذلك لتوفر الدلائل التي تؤكد وجود اليقين بكونه كان إحدى الأطراف التي ساهمت في أن تسوء أوضاع اليمن بصعود الحوثيين، بما هو قدم لتلك الزمرة الدموية من التدريب والتسليح، بينما الذي حصل فان تلك الحرب جلبت إليه النعمة بدلا من النقمة والتي وإن لو كانت حلت على أم رأسه فكان المتأمل منها بأن تؤدي إلى سوء عواقبه جزاء وفاقا لما اقترفه من التجاوزات بحق اليمن.

 

وقبل ذلك، وبالعودة إلى ما مر من السنين، وذلك منذ حرب الصدمة والرعب في 2000م، كان الطاغية ونظامه في حال من الاحتضار والموت البطيء من جراء ما فرض عليه من الحصار بسبب سياساته الإقليمية الشاذة، عندما زعزع استقرار المنطقة بإثارة الزوابع والضوضاء والقلاقل وعدم الاستقرار، من التحرش بجيبوتي المسالمة والوقوف بجانب شباب الصومال، وكل ذلك لتحقيق رغباته المريضة بأن ينصب نفسه رقما إقليميا ينافس إثيوبيا، فكانت النتيجة بأن يجني ذلك الحصار الخانق والذي فرض عليه من مجلس الأمن الدولي، من التجميد للأصول المالية والمنع على وارادات السلاح والقيود على سفر الأفراد من القياديين.

ثم زاد حال الطاغية ونظامه بالسوء أثناء ثورات الربيع العربي، حيث عاش ولفترة من الزمن في أجواء الرعب والترقب برؤيته كيف تساقط المستبدون الذين على شاكلته في تونس ومصر وليبيا واليمن، وبتوقعه ما سوف يحصل لبشار سوريا والذي جعل من سوريا أرض المشاع باستنجاده بكل من هب ودب من الإيرانيين وحزب الله وشيعة العراق المتعصبين وشيعة باكستان وأفغانستان، والآخرون من الطائفيين في أينما كانوا، وأخيرا، عندما لم يفده كل ذلك، فكاد أن يسقط سقوطه المدوي فأستغاث بالروس، فشرد شعبه إلى كافة الأصقاع من الأرض، ليبقى هو في السلطة.

ولكن وفجأة، وهو على ذلك النحو من البؤس السياسي، نشبت حرب اليمن، فسقطت جائزتها على حجره، فبثت في رئة نظامه المهترئة الهواء المنعش وبأوردته المسدودة ماء الحياة، كان هو بحاجة ماسة إليهما، وبذلك تحول حاله من التقوقع والترنح وحلول دوره في السقوط إلى قاع الهاوية، إلى حال بعثت في نفسه الآمال العريضة للبقاء في السلطة.

لأنه وفورا، وبمجرد اندلاع عاصفة الحزم، لمح الطاغية الفرصة من الفرص السهلة المواتية، فركب الموجة وهرول إلى المملكة العربية السعودية، فحصل فيها على تلك الحفاوة وعلى ذلك الاستقبال الرفيع، ثم زاد مكسبه بتهافت دول الخليج الودودة إليه الواحدة بعد الأخرى، تلك الدول السخية والتي من أسهل أمورها في السياسية الخارجية إغداق المال الوفير، فما كان منها إلا أن ضخت في شريان نظامه ما تيسر لها من المساعدات والهبات والمنح والقروض الميسرة لشراء مواقفه بفتح الموانئ والمراسي والجزر، فتمكنت من اختطاف مواقفه المعروضة للبيع قبل أن تختطف من الإيرانيين والحوثيين.

إذن، وعلى ذلك النحو، وفي هذا النزاع، وقف الطاغية بجانب من أبدى استعداده بأن يدفع أكثر، بينما هو كان مرعوبا ومترقبا من أن يتلقى التوبيخ والتقريح، وعلى الأقل توجيه الانذار للتوقف من أعمال السمسرة، فمكان منه إلا أن أستبق ما كان متوقعا وقوعه، فأذعن بسهولة عندما قبض عليه متلبسا بالجرم المشهود.

لذلك، ظهر الطاغية في مقابلته الأخيرة أمام الإرتريين بذلك المظهر من الانتشاء ونفش الريش واستعراض القوة والخوض فيما شاء له من العبط، ثم دلف إلى أمور من شأنها تبرزه كالسياسي الداهية الذي يعرف من أين تأكل الكتف، ووجد نفسه بدور السياسي المحنك والذي يعرف كيف يوظف الأحداث السياسية فيما يخدم أهدافه، لم لا، حيث حلت أمامه وعلى حين غرة الفرصة التي تظهره لاعبا إقليميا!.

لذلك، وفي مقابلته، وعندما سئل عما يكون عليه موقفه من تلك الحرب، تشدق واعترف بابتهاج بانه يؤيد نشوب تلك الحرب، لأنه رأى فيها والأول مرة، ان دولة من دول المنطقة تأخذ على عاتقها وبنفسها المبادرة الحاسمة في ان تحل مشكلة إقليمية دون أن تفعل ذلك بالوكالة، ودون أن تأتيها الأوامر من الآخرين، وبذلك وهكذا دحرج مراوغة من مراوغاته المفضوحة!.

كاد المريب أن يقول خذوني!. لأن الوجه الآخر من الحقيقة، ان الطاغية والذي معروف عنه الحقد والعداء والازدراء من العرب، لم يتخذ ذلك الموقف السريع والمؤيد من حرب التحالف العربي على اليمن، إلا إنه حاول وبسرعة أن يبعد عن نفسه التهمة الثابتة عليه، وتلك التهمة والتي طالما ظل لسنوات يتجاهل أو يراوغ أو يسوف بوجودها وعدم وجودها مراوحا بين النفي والإثبات.

ومع ذلك ان الميزة الوحيدة والتي يمكن أن تحسب لصالح الطاغية، إنه يجيد كيفية البقاء على حافة الهاوية متأبطا مواقفه، فلا يحيد أو يتزحزح عن أخطائه السياسية، إلا إذا ظهر أمامه من هو أكثر منه في التجبر بإظهار العين الحمراء بتلويح القوة، وإلا فهو يظل يمارس لعبة الانتظار والترقب والتجاهل والتسويف والكذب، وإن لاحت الفرصة من الفرص إقتنصها بخفة الحاوي قافزا بسهولة من النقيض إلى النقيض متخليا عما هو يتشدق به دائما من عدم التدخل في شئون الغير.

أما عن صراع الطاغية مع أشقائه "وياني" في إثيوبيا، ذلك الصراع الذي لم يستغل كما ينبغي ويجب، ذلك الصراع والذي من جرائه وآثاره ظل الطاغية يدور حول نفسه في الدوائر السبع من التردد بدلا من الحسم، متجنبا ما حاول القيام به في السابق من حل النزاع الحدودي عن طريق الحرب، عندما تبجح وقال لن أسحب من "بادمي"، حتى لو ظهرت الشمس من الغرب بدلا من الشرق، فكانت النتيجة أن يجنى ثمار سوء سياسته بطعم العلقم بوقوع تلك الهزيمة المذلة، فكلما قدر عليه إلى الآن جمع المعارضات وانفاق عليها ليغطي فشله ويواري سوأته حينا متواريا خلف المعارضين الإثيوبيين وحينا خلف حركة شباب الصومال.

إذن، ان أكثر ما يتضح من تلك المقابلة، كيف حاول الطاغية استعراض قوته وإبراز نجاحاته في الحاضر وثقته بأن يحقق المزيد والمزيد من النجاحات في المستقبل، وإبراز اطمئنانه وثقته بنجاعة بما أتخذ وما سوف يتخذه من السياسات الداخلية والخارجية، وذلك لإشباع غروره وغرور مؤيديه ومناصريه بان سياسته التفردية أصبحت أكثر في الرسوخ والعمق والمتانة، بعدما أصبحت المعارضة الضعيفة أكثر في الضعف والإخفاق إلى ان اختزلت جل أعمالها في أن تأكل في نفسها وتلوك بسياساتها الفئوية والحزبية، أو علق جراحاتها باجترار أحداث الماضي، كل مجموعة تخوض في عمل يفشل عمل مجموعة أخرى، إلى أن طفت على سطح أعمال المعارضة، "مدرخ"، والتي لا تختلف عن جبهته الشعبية، تلك الزمرة التي كرست جل نشاطها على حشد وتجيش المنسلخين من النظام، والتي كل اهتماماتها أنكبت على إظهار فشل المعارضة، تلك الحية التي تحاول ابتلاع الكل والتي لا تختلف مع الطاغية ونظامه على الثوابت الرئيسية، وكل ما ظهر من مواقفها المعلنة الادعاء بوجود بعض المآخذ على سياسة الطاغية من التفرد والطغيان والاستئثار بالسلطة، تلك الزمرة التي تلوك بأهداف لا يتجاوز سقفها العودة أو التقهقر بالأحداث إلى أيام الجبهة الشعبية القديمة، سنوات العسل!.

إذن، ان كلما جاء في سياق تلك المقابلة المملة والباعثة على الغثيان والتقزز وبجزيئها الأول الثاني، لا يتجاوز بث المزيد والمزيد من الإحباط واليأس في نفوس الإرتريين الراغبين في التغيير الحقيقي، وتضخيم ما يشعر به الطاغية من الانتشاء والاطمئنان، وإبراز سياساته، حتى وإن كانت على ذلك النحو من التفردية، فهي ملائمة وفي مسارها الصحيح، لأنها ومن خلال التجربة العملية والتطبيق الواقعي، ظهر انها تلائم الحاضر وسوف تلائم المستقبل، لأنها وبفضل تلك السياسية التفردية الإقصائية استطاع البلد أن يحافظ على السيادة الوطنية!.

السؤال هو، أين هي تلك السيادة الوطنية؟، في الوقت ان المعروف عن البلد في ظل سلطته، ومنذ التحرير إلى الآن تصدير اللاجئين إلى دول أوروبا، والتي هي الأخرى بدأت تتدلف وتتقرب من نظامه، بعدما تراجعت ولحست مواقفها المعلنة في السابق، إلى أن اختزلت كل مساعيها أو دعاياتها عن الديمقراطية والتعدد السياسي وحكم القانون في مطالبتها بأن ينتهج الطاغية السياسة التي من شأنها أن تخفف من وتيرة اللجوء والهجرة مقابل الرشوة بالمال!.

بينما الحقيقة هي، إن الطاغية فمهما جال وصال في خضم الترهات، فإنه يدرك في أعماق دواخل نفسه، إن السيادة الوطنية التي يدعي أنه حافظ عليها وصانها من المؤامرات الخارجية، قد هتكت منذ الهزيمة المذلة التي حلت بالبلد، فزاد وترسخ ذلك الهتك أو الخرق باخفاقه وبفشله في استعادة "بادمي"، بل فقد البلد في ظل سلطته السيادة على العديد من الأراضي على امتداد الحدود، بعدما ظل هو ردحا من الزمن يهدد ويقول إن صبر إرتيريا يتآكل، إن لم ينفذ ذلك الحكم الذي قيل عنه النهائي والملزم بترسيم الحدود، وبالمقابل إثيوبيا تعطي إلى ما نادى وهدد به أذن من طين وأذن من عجين، لأنها على البينة من انه لم ولن يكرر محاولته الفاشلة بحسم الصراع بالقوة، وبالمقابل هو على اليقين من ان في تكرار محاولته بشن الحرب يكمن سقوطه الفوري السريع، وإثيوبيا مازالت تستولي على أجزاء سيادية من إرتيريا، وتلك هي الغصة التي سوف تنغص عليه راحته وتؤرق حياته.

الطاغية "إسياس"، حتى لو ظل في السلطة، ومهما طال وقصر الزمن بقائه في الحكم، فهو في عيون وأذهان الإرتيريين، ما هو إلا القرادة، تلك الحشرة الحقيرة التي لا تجيد إلا امتصاص دماء الضحايا، وكلما زادت معاناة ضحاياها فزاد هي في القوة والعنفوان.

محمد عثمان حمد

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1