كيف نتعافى؟

recaveryبعث موسى عليه السلام إلى مجتمع العبيد من الإسرائيليين اعتادوا حياة الذل والعبودية إلى ذلك الحد، والذي فيه لم تفلح مجاهدته ولا معجزاته الخارقة للاستنهاض والعصيان والثورة والمطالبة بالحرية. لذلك، قرر أن يقود هؤلاء العبيد الخائفين في تيه الصحراء لأربعة عقود من الزمن، على أمل أن  ينطفئ أو يخبو مفعول الخوف في النفوس، أو أن تتعود النفوس على حياة التحرر.

كان "فرويد" ابن أمه المدلل، والجالس على حجرها، والمفضل لديها دون إخوته الستة. أما من جانب أبيه، فكان هو الوحيد المعنف والمنعوت بالولد البوال والتافه، فنشأ بينه وبين أبيه على مدى الأيام ذلك التوجس والتضاد والنفور المتبادل، فلم يتحرر من الشعور بالخوف من أبيه أو الكراهية نحوه حتى بعد وفاته، إلا برؤيته في المنام وهو قد عاد إلى الحياة ويديه بين فخذيه وهو يمسك برأس ذكره، يستغيث ويصرخ من عسر التبول، فيناشده بأن يعمل فيه المعروف ويحضر له مبولة ليتبول، بينما هو لا يستجيب لطلبه!.

في ذلك الحلم، وتلك المبولة، كانت من بين الرموز الأخرى هي التي فتحت أمامه آفاق معرفة أسرار النفس، بينما كان هو في الأساس طالب طب متفوق، ترك طب جراحة الأعصاب وأتجه إلى دراسة عقد النفس البشرية، وما يرتبط بها من الغموض، فكرس ذكائه وطاقته لدراسة أمراض النفس والتي كانت تدرج حتى ذلك الوقت ضمن الوساوس النفسية المبهمة التي لا طائل من دراستها.

لأنه، وحتى ذلك الوقت، ساد ذلك الاعتقاد الساذج والذي مفاده، بان أمراض النفس تنشأ من ألاعيب الآلهة الشريرة والشياطين وأفاعيل الجن وأعمال السحر والحسد والعين، ومن تأثيراتها تنتج تلك السلوكيات الفاسدة، والتي تبدو في الشذوذ والانحرافات في الشخصية والخبل والجنون والهلوسة والتهاويل والشكوك والتردد والتهيب، وجد جلها ترتبط بالخوف، إلى أن وضع نظريته في التحليل النفسي والتي مكنته من اكتشاف أن الآفات النفسية ما هي إلا نتاج التجارب السيئة التي يتعرض لها الأشخاص، من الاضطهاد والاستغلال والإساءات اللفظية والجسدية، وخاصة تلك التي تحط أو تهتك ستار الكرامة والشرف والهوية أو الذات، جميعها تتراكم وتختلط وتتفاعل ثم تكبت وتتوارى إلى حين من الزمن في تلاليف العقل الباطن، وفي اللاحق تظهر على سلوكيات الضحايا بأشكالها المختلفة من الانحلال النفسي والسلبية والاستسلام لتأثير الآخرين والاعتقاد بالقدرية.

وجد "فرويد"، ان العلاج من تلك الانحرافات النفسية، التي تبدو في شتى الصور من الوسواس القهري والشعور بالرهبة والفزع وتوقع العقاب والتجريم، وحتى تلك الآفات النفسية الشائعة التي تتمثل في الشعور بالرهبة من الوجود في الخلاء والأماكن المغلقة، ما ينتاب الأفراد من الرغبات الملحة في إشعال الحرائق والانتحار وإلحاق الأضرار في الجسد، وهوس التعري، والانكفاء والانسحاب من الحياة أو الانغلاق النفسي التام.

وجد "فرويد" إن تلك الانحرافات وغيرها ترتبط بطريقة وأخرى، أو لها جذور بسيكولوجية الخوف،  وان الشفاء من تلك الانحرافات تكمن في العودة إلى تلك التجارب والخبرات بعينها، أي إعادة وقوع الأحداث بدفعها للتقهقر، فإذا تذكر الشخص تلك التجارب، كما حدثت من الناحية الفعلية، ثم  فكر وتمعن أو تبصر في ماهيتها وأصلها، وفق الآلية من التداعي الحر للأحداث، هي الآلية التي يتم من خلالها دفع أو إجبار الأحداث أن تتداعى وتبرز على سطح الواقع بالتسلسل والتوالي وأمام أنظار الضحية، ثم تمكين المصاب من مواجهة تلك الآفات بالإرادة والعزيمة، فإنه بذلك يطيب أو يبرأ من ذلك التفسخ النفسي.

على هذا النحو، وحتى في أبسط الأشكال من الخوف، نظر "فرويد" باهتمامه الفائق في البعض من تلك الحالات التي يشعر فيها الأشخاص بالخوف من القطط والفئران والصراصير والعناكب، مع أن القطط أو الفئران أو الصراصير والعناكب كائنات دنيئة ومسالمة لا يجب ان تثير الخوف في الأغلب من البشر، فإن تلك الحالات من الخوف، لا تشخص إلا بكونها الخوف المرضي الذي ليس له مبرر، الخوف الذي منشأه الوهم والهواجس.

إذن، وجد "فرويد" ان العلاج من الخوف المرضي يكمن في العودة إلى الذكريات المنسية، وأسبابها الموضوعية التي نشأ منها ذلك الخوف المرضي، باستدعاء وقوع الذكريات التي ترتبط به، أي استعراض حيثيات الخوف، من خلال تنشيط وتفكيك محتويات العقل الباطن بالتداعي الحر، وهي الطريقة "الفرويدية" المثلى والتي من خلالها يتم تعويم الذكريات المنسية المتصلة بالفساد النفسي، والمترسبة في قاع الدماغ كما تعوم السفينة الغارقة والراسية في قاع الأعماق، وبذلك تتفكك وتنحل عقد الخوف الذي يشعر به ذلك الشخص المريض بمرض الخوف.

كيف لهذا الشعب الذي قاوم في الماضي أعتى الأنظمة الاستعمارية من الإيطاليين والبريطانيين والإثيوبيين يعجز أن يقاوم هذا النظام الميتوالمتعفن؟.  كيف لنا أن نتعافى من هاجس الخوف المرضي الذي يكبل أفواهنا وأيدينا وأرجلنا ويسلب إرادتنا الجمعية؟. كيف يمكن أن نتحرر من هذا الخوف المرضي الذي يرسخ هذا الحال من الركود الدائم والمستمر من السلبية والاستسلام، وبالتأثير من هذه الصورة القاتمة من الظلم والاستغلال والاستعباد، وهي تلك الممارسات التي تسلب بالقهر والابتزاز كرامتنا الإنسانية والحق في الحياة الكريمة؟.

إن هذا النوع من الخوف والذي نشعر به من هذا النظام المتفسخ والمتهالك، ما هو إلا ذلك الخوف المرضي والذي في ظاهره يبدو في ذلك السلوك السلبي الذي أساسه الحذر والحرص المستميت على الحياة، البقاء على قيد الحياة، كيف ما كانت تلك الحياة بتأبط اللامبالاة والأنانية، أنا وليكن بعدي طوفان، الحيل الدفاعية اللاشعورية السلبية، والتي لا يمكن الشفاء منها، إلا بتفكيك العقد المرتبطة بالخوف، ثم مواجهة تلك العقد الواحدة تلو الأخرى لقهرها في النفوس بالإرادة والعزيمة الجمعية للشعب.

الفكرة هي، ان هذه الصورة القاتمة من السلبية والفرجة والانتظار على أمل أن يأتي الفرج من السماء، هي الظاهرة المرضية السائدة والتي تبدو على سلوكنا الجمعي، سوف تستمر ما شاء الله من الزمن، إذا ظللنا على هكذا الحال الذي تنعدم فيه المبادرات وتقديم القدوة والتضحيات، وان المعارضات والمظاهرات والمناشدات الكثيرة من البعيد، في مدن اللجوء، بالرغم مما تفضي إليه من بعض الفوائد، فإنها لن تؤدي إلى التغيير الشامل، إلا إذا تم التركيز على الوسائل التي من شأنها أن تجعلنا نتحرر من الخوف المرضي.   

محمد عثمان حمد

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1