تفاحة محمد علي

Muhammad Ali Appleإنا لله وإنا إليه راجعون. عمر جابر وداعا يا حبيب. إن ما أثار أحزان الإرتريين في كل مكان أينما وجدوا في مشارق الأرض ومغاربها ليس وفاته فهو مصير كل حي بل أن يغادر هذا المناضل العظيم، فارس القرطاس والقلم دنيانا الفانية في أرض غريبة بعيدة عن وطن ناضل من أجله كل العمر، اللهم تغمد روح الأستاذ الكبير برحمتك الواسعة، آمين.

محمد علي باشا الألباني،  والذي كان حتى العقد الرابع أميا لا يقرأ ولا يكتب، لم يعرف عنه إي إنجاز يذكر غير إنه كان خادما لدى حاكم مقدونيا تابع للباب العالي، ورئيس مليشيا تحرس مرفأ كفالا.

 

وكان من صدف القدر أن يرسل  كجندي مغمور في بداية عام 1800 مع من أرسلوا من الجند إلى مصر لتأديب المماليك، وبمجرد وضع رجليه على البر المصري، قرر في نفسه انه لن يعود من حيث أتى، أرض الفقر والعتمة والجبال والثلوج، فانخرط  بكل كيانه في أن يصبح حاكما مطلقا في وطنه الجديد مصر، والتي كانت أرض المشاع، وأهلها من العبيد المنبوذين يتحكم بهم الآخرون، ويتصارع على خيرات وادي النيل الإنجليز والفرنسيون والأتراك والمماليك الإنكشارية المجندين العبيد الأبيض الذين جلبوا من وراء النهرين في أسيا الوسطى، بأيدهم وأرجلهم أغلال، وخاصة عندما لمع نجم صلاح الدين الكردي، والذي كان بحاجة ماسة لجنود أشداء وشجعان لمحاربة الصليبيين عندما وجد  بني العربان يعيشون في أحط عصورهم من الضعف المسكنة، لا هم في العير ولا في النفير، ومن ذلك الوقت أصبح المماليك أسياد البلاد الذي ليس لها أسياد.

كانت أولى إنجازات محمد علي قبل أن يؤسس إمبراطوريته أن يقضي على آفة المماليك، عندما جمع الرؤوس الكبيرة منهم، في خديعة أساسها الدعوة إلى الوليمة، فأبادهم في حادثة لا تقل في الشهرة والقسوة والتأثير من نكبة البرامكة، في أيام الدولة العباسية، فكانت نهاية حكمهم البربري الدموي، في قلعة المماليك في القاهرة، ثم تفرغ لتأسيس مصر الحديثة، وكان هو صاحب التنوير الذي أدخل مفردات الحضارة العصرية إلى مصر، وبلغت إمبراطوريته إلى السودان، فأتجه إليه بحثا عن الذهب والعبيد، وكادت أن تصل طلائع جيوشه الجرارة إلى الحبشة إحدى منابع النيل العظيم لولا تدخل الإنجليز.

ولتحقيق كل هذه الأمور، لعب محمد علي من الناحية السياسية بحيلة ودهاء مع الكبار، من الإنجليز والفرنسيين والروس، فأنتزع فلسطين ولبنان وسوريا واليمن من سيطرة الأتراك.

وبما أنه  كان وكيل الباب العالي وتابعا له، فقد نصب له الأتراك فخ الوهابيين، حيث طلب منه أن يتجه إلى الجزيرة العربية، وذلك لتهدئة اندفاعه وكسر شوكته واستنزاف قوته فتجهز لذلك مضطرا، لأنه كان حذرا من الدخول في معارك الآخرين،  فأراد أن يختار قائدا لجيشه، وفي قصره المنيف في القاهرة، جمع قواد جيشه وكان من بينهم ولده عبدالله.

تقول حادثة تاريخية ربما مصدرها المؤرخ العبقري عبدالرحمن الجبرتي، عندما وضع تفاحة في زبدية على سجادة كبيرة، فسأل قواد جيشه ممتحنا لهم، من منكم يستطيع أن يجلب لي تلك التفاحة قبل أن يضع رجليه على السجادة.

فحاول كل قائد من قواد جيوشه أن يتمكن من ذلك بمد الأيدي والأرجل،  ولكن باءت محاولات الجميع بالفشل إلا ولده عبدالله مع أنه كان أقصر طولا وأصغر سنا وأقل خبرة من الجميع، فأستطاع أن ينجز ذلك بلف السجادة من أطرافها حتى وصل إلى الفتاحة فأحضرها بسهولة، فأعطاها لوالده، فكان أن  ولاه على رأس الجيش الذي هزم الوهابيين في الجزيرة العربية شر هزيمة بل أرسل أحد قوادهم المؤثرين بالأصفاد إلى الباب العالي حيث قطع رأسه أمام الملأ هناك.

وكان القصد من هذا الاختبار هو أنه إذا كنت تتأمل في هزيمة العدو، عليك أن تعرف معرفة تامة كنه من يحيطون به، وهل الذين يحيطون بالعدو كالخاتم في الأصبع يفعلون ذلك بإيمانهم بقضيته أو مكرسون في خدمته انطلاقا من  خوفهم منه، وعليك أن تشتغل على هذا المحيط، تفكر في قدراته ومآربه وعلاقته بالعدو، فتعمل على كسبه واستمالته وشراء ذمته،  وفي كل سياساته أستخدم محمد علي التفاحة والسجادة، إبادة من يحيطون بالعدو أولا، وتأجيل موضوعه.   

أما بعد، ولمدة عشرين سنة قيل الكثير عن ثعلبية ودهاء إسياس، انه رجل صارم لا يتراجع عن أفكاره وخططه، وصاحب قدرات جبارة في فتكه بالأعداء، بارع في استغلال ضعف من يحيطون به.

أما عن صفاته الواضحة فإنه شخص لا يجيد الحديث،  وهو يغطي هذا العجز الخطير بالتهرب من المواجهة، ومعروف عنه أنه في كل لقاءاته بالناس يحاول بشتى الطرق أن يكون تواصله بهم قصير المدة، حيث يلقي تحية كيف ما كانت، وهو يبدو عليه التقزز والتعالي الفارغ،  ثم يقول كلاما فارغا غير مترابط، ويسرد كلاما لا ذيل ولا رأس، ويهرج عن أمور غير ذات أهمية، ولا هي أمور ينتظر منه أن يتحدث عنها، يلقيه كيف ما أتفق،  ثم يقول الآن بلغنا باب الأسئلة والاستفسارات ويحدد أن يكون ذلك بفرصتين اثنتين أو ثلاث مدعين بأن الوقت ضيق، ويرد على تلك الاستفسارات والأسئلة بطريقة مقتضبة، ومع أن الحديث كان عن طحن الذرة، فهو يتحدث عن زراعة الذرة، ومع أن الحديث كان عن تقشير البطاطس، فيتحدث عن زراعة البطاطس وآفات البطاطس، وهكذا.

وفي كل ذلك يتقمص دور المعلم والمفكر والمثقف وعندما يشعر إن ألفاظه وكلماته تسقط أرضا، ويرى الاندهاش والتعجب على وجوه من يخاطبهم، وهم يرونه يرهف ويشطح بعيدا عن محور الحديث،  ولا  تحدث هرطقته أي تأثير في نفوس الناس تنتابه عصبية مجنونة مفاجأة وفورا يختار موقفا أساسه إن الهجوم خير وسيلة للدفاع، فيقول إنني أرى أنكم لا تفقهون حديثي!.

والمعروف عن إسياس إنه شديد الاحتقار للشعب، وخاصة المسلمين، وسمع عنه الكثير في أوقات متفرقة وهو يعبر عن ذلك بكل وقاحة،  حيث يرميهم بشتى النعوت القبيحة معتبرا أنهم حثالة من البشر يفتقدون إلى الجدية والاستعداد والجرأة، قطيع  من البشر بحاجة إلى من يسوقهم للسير على الدرب المستقيم، كائنات أكثر اهتماماتها متع  الحياة،  وتخرج هذه الدناءات على لسانه من قاع عقله الباطن عندما يكون في نصف إدراكه للأمور وهو فوق الكأس.

ومع ذلك، فإن قوة إسياس تكمن بكونه مخطط بارع،  ومدبر محنك للأمور من خلف الكواليس ويتمتع بقدرة فائقة في أن ينفذ كل خططه عن طريق الآخرين، بينما هو يبقى في الظل وفي الخفاء، وعندما يحمى وطيس أية مشكلة فإنه يختفي عن الأنظار، ويترك أن تكون المواجهات من نصيب الآخرين الذين يتحكم بهم عن بعد.

كيف قضى إسياس على كل المعارضين؟. ودون أن نذهب بعيدا،  نذكر ما شاهده الجميع بالأمس القريب،  كيف اختفى عن الأنظار في آخر عصيان من الجيش، في 21 من يناير 2013، يرسل الوسطاء بعد الوسطاء، بينما سمع الناس بوضوح البطل الشهيد سعيد علي حجاي يصدح بصوته وهو يقول لا أقبل أية واسطة، أحضروا لي رأس الأفعى هنا أمامي، لماذا لم يخرج إليه إسياس، وهو لم يكن في مكان بعيد، ولم يفعل ذلك لأنه يعتمد على الآخرين الذين يستميتون في الدفاع عنه،  بينما الناس تعتقد ان هؤلاء لا تأثير لهم، وهذا هو الخطأ البين الذي يقع فيه الجميع.

إن التفاح المطلوبة أو الجائزة التي يجب نيلها بأية وسيلة قبل قضمها ثم طحنها بين الضروس دون شفقة هو رأس إسياس، وأن السجادة هم هؤلاء المحيطين به من المسلمين، وهم النسيج الطرفي من السجادة أما النسيج الداخلي للسجادة هم المسيحيون، وهو الرب عندهم، مهما غلفوا مواقفهم الحقيقية بالشعارات، وهم أكثر وعيا لمصالحهم، فيما يتخذون من المواقف، وما يعتقدون به من الأفكار، وهم أصحاب المصالح والمنتفعين الحقيقيين من إسياس.

محمد عثمان حمد

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1