لو لم تكن ابن فلان

بقلم  :محمد عثمان حمد    

why notإن أسهل تصرف هو أن تبرر الضعف الذي تعاني منه أو تعلقه على شيء آخر. فتقول إنه لو لا هذا لكنت فعلت ذاك، كما فعلت المرأة التي تعرض لها ولد شرس وقليل الأدب، فرأت انها ليس بإمكانها أن تقتص منه لكرامتها، فقالت لو لم تكن ابن فلان لأدبتك. أصبح موقفها هذا مثلا يضرب، ويذكر للتعبير عن التعجب من سلوك ذلك الشخص الذي يبرر ضعفه، بينما من يسمعه يدرك بتخاذله.

أساء الولد للمرأة وخدش حيائها وجرح كرامتها، وما علاقة ما تعرضت له بأنها تعرف أبوه!.

 

أما بعد، في الماضي، وفي أيام حرب التحرير كنا نفتخر قائلين إن ثورتنا أطول ثورة في إفريقيا، لأن امتدادها على ذلك المدى الطويل كان يعني لنا إننا من ذلك الشعب الأبي والشجاع الذي لا يكل ولا يمل من النضال، ولا يقبل أن يعيش في الذل والغبن!.

في الحاضر، إذا نظرنا إلى الخلف وتمعنا في فحوى ذلك الافتخار فلابد إننا نجده مسبة لا مديح، لأن ثورتنا طال أمدها بسبب ضعفنا، وليس لأن إثيوبيا كانت قوية، أو لأن الأمريكان والغرب ساندوها، أو لأن الاتحاد السوفيتي السابق تدخل في الصراع لأن بلدنا يحتل موقعا استراتيجيا حيويا، مما أدى إلى أن تصبح قضيته على طاولة لعبة الأمم!.

كان ذلك ادعاء الضعيف، إدعاء مغلف بدعاية سياسية مضللة. كنا نقول في اللقاءات والاجتماعات الأسبوعية والشهرية والسنوية، ونحن نجرد ما تحقق من الفعاليات، ونضخم الانجازات ونقلل من شأن الإخفاقات، ونحن نتقمص موقف المتسحر على وضعنا البائس قائلين: آه،  لو لا المؤامرة الامبريالية وصراع القوى الكبرى، كنا انتزعنا الاستقلال من إثيوبيا، وبذلك كنا نصور الأمر كما لو أن تلك القوى لم تجد الساحات والميادين التي تتصارع عليها إلا بلدنا، بلد الأهمية الإستراتيجية والثروات الوفيرة!.

عرفنا الأهمية الإستراتيجية، البحر الأحمر وبوابة إفريقيا وباب المندب، وغيرها من الترهات، ولكن أين هي الثروات الوفيرة. فينبري أحد من بيننا فيقول:  تحت كل صخرة من صخور بلدنا معدن من المعادن الثمينة، وبلدنا عائم فوق بحيرة من البترول، الذهب الأسود، لأن الرف القاري في بحرنا الجميل مائل إلى ناحيتنا، وعلى هذا الأساس كل الخيرات تميل إلى ناحيتنا، وغدا إذا تحرر البلد فقمنا بالتنقيب والاكتشاف والاستخراج، فإن كل البترول في الجزيرة العربية يأتي إلينا مباشرة!.

أو كنا نكرر، آخ وآخ من إيطاليا الفاشية المهزومة، لأن هؤلاء الإيطاليون الجبناء، والذين كانوا ينعتوننا الديدان أو القردة، استعمرونا لحم ورمونا عظام عند قدوم جيوش الحلف، كل ما قاموا به من المقاومة طيخ وطاخ وطوخ حول كرن، ثم استسلموا،  وكان ذلك بعد ما مصوا خيرات بلدنا، فتركونا لمصيرنا المذري والمؤسف بعد العشرة والجيرة الطويلة، وهم علينا أسياد ونحن خدم، فوقعنا في قبضة الإنجليز، دواهي البشر، وهم الذين شتتوا وحدتنا، بل هم السبب في كل الأمراض التي نعاني منها، التقسيمات الدينية والقبلية، وعند الخروج باعونا لإثيوبيا.

كيف؟.  الإنجليز هم السبب في كل مصائبنا، وهم الذين دمروا اقتصادنا الذي كان يضرب به المثل في القوة والمتانة والتنوع، التجارة والصناعة والزراعة والرعي والصيد، وهل تدرون انه كان في بلدنا أوسع وأحدث وأجمل الطرق والسكك الحديدية، وهل تدرون أن عاصمتنا أسمرا، كانت تسمى روما إفريقيا، وهل تدرون كان في بلدنا "تليفيرك"، ينتقل الناس فيه بين الأرض والسماء، والمواني الحديثة وما كانت تحتويه من معدات الشحن والإنزال، نهبها الإنجليز وانقلوها إلى مستعمراتهم في دول شرق إفريقيا، كينيا وتنزانيا، كيف ولماذا؟، لكي يظهروا بلدنا، بلد الضعف والفقير والتخلف، بل وهم الذين نبهوا أفراد الشعب أنهم من المسلمين والمسيحيين، وقالوا لأفراد الشعب أنهم يتكونون من القبائل والعشائر، ومن الأسياد والعبيد، وهم الذين لفتوا أذهان أفراد الشعب أنه أفضل وأفيد للبلد أن يقسم  بين دول الجوار!.

وعلى هذا النحو تعودنا أن نعلق أمراضنا وضعفنا على الإنجليز، واعتبرنا انه وبموجب خططهم ضمتنا إثيوبيا وجعلتنا محافظة من محافظاتها، بينما الحقيقة هي، حدث إلحاقنا إلى إثيوبيا، لأن الجزء من الشعب وهم جل المسيحيين ساقتهم الكنيسة إلى حضن إثيوبيا على خلفية من التوجس والأوهام تتعلق بالتعريب، والجزء الآخر وهم جل المسلمين أيد الاستقلال، ولكنه لم يستطع إيجاد القوة المكافئة والموازية، فأذعن فاستكان، أو تحرك بعد فوات الأوان، وبعد خراب البيوت.

وبعد التحرير ولسبب نفسه، الضعف والتواكل والثرثرة والاجترار، فيقع البلد والشعب في فخ هذا الاستبداد القذر، فيختطف من قبل هذه الشلة الفاسدة، فتنادينا من كل حدب وصوب فأعلنا المعارضة ولكننا فعلنا ذلك بالتقسيط وبالتجزئة، دون أن نقدم الانجاز الملموس ذو الزخم المناسب والذي يمكن أن يلفت نظر العالم ويهز كيان النظام الاستبدادي المتعفن.

إن الاختلافات والتباينات موجودة في كل الأوطان، الديانات  والأعراق والأيديولوجيات والقبائل والنواحي والحضر والبدو، والطبقات الاجتماعية، الأغنياء والفقراء والأسياد والتابعين، كلها مفردات ينشأ منها التعارض في السلوك والمصالح والرؤى، ولكن عندما يحدق في الوطن خطر الاستعمار أو الاستبداد، تضع الشعوب كل هذه الخلافات والتباينات جانبا وتوجه كل القوى إلى وجه الخطر الداهم، إلا نحن، لأن وطننا يتكون من الأفراد الذين تغيب عندهم الجدية والقدرة على الفداء والابتكار والإبداع والتكيف والتضحية بالمال والنفوس لينعم من يظل على قيد الحياة بالحرية.

انظروا، وها هي الشعوب نهضت بعدنا بسنوات، فتحقق لنفسها الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، بينما نحن غير قادرين على تقديم التضحيات من أجل الوطن. وكل ما قدمناه من أجله المؤتمرات والاجتماعات والنداءات، مع علمنا الأكيد بأن هذه الأمور لن  تقصي إسياس وزمرته من السلطة، والتي لا يمكن أن  تعطى بل تأخذ.

أنظروا ماذا قدمت وتقدم الشعوب من أجل عيون الحرية، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن والصومال، لأن هذه الشعوب هي شعوب حية فهي جديرة بأن تنال الحرية، لأنها لا تستكين ولا تذعن، وتقدم بسخاء في كل يوم التضحيات، وأبنائها يضحون بأرواحهم، كل بالطريقة التي تناسبه، أما نحن تقتصر أعمالنا على النداءات والمناشدات، ونتغزل بما يجب أن تكون عليه الأمور، بل نبالغ فنرسم ونخطط ما يجب أن يكون عليه المستقبل في الوقت الذي نغيب فيه حيثيات الحاضر.

يكفي هذا. عرفنا عن من هم أصحاب المناطق ومن هم أصحاب الإثنيات ومن هم أصحاب الأيديولوجيات الدينية والليبرالية،  حيث أعلن كل طرف عنه نفسه بواسطة تلك البيانات والإعلانات المنمقة والممجوجة، وهم يرسمون ويخططون من أجل المستقبل، من أجل إرتريا الغد، ولكن الفعل غائب، لأن كل تلك الإعلانات والبيانات المرسلة الطويلة، لم تجعل من أي طرف إلى أن يرتقي بأفعاله إلى مستوى الحدث والضرورة، وكيف يتحقق له ذلك، فهو ليس له أجنحة عسكرية نشطة، أو مجموعات فدائية تعمل على الأرض، أو عناصر جامعة للمعلومات، أو إحداث اختراق في ركن من أركان النظام، وبدون هذه الفعاليات لن يغادر الغول السلطة، ولن تأتي الحرية بنفسها وتقول هيت لكم نفسي يا أحباب الله، وإذا هلك إسياس اليوم أو في الغد سوف يأتي بعده واحد ألعن وأشرس منه.

كل هذه الأنشطة النظرية الرنانة لن تأتي بالتغيير المرجو، لذلك أقول، على الأقل لتعمل كل جهة على طريقتها، وتتحمل جزء من المسئولية الوطنية، ولا تهدر المزيد من الوقت في اجترار هذه الإعلانات، وذلك من أجل تحريك المياه الراكدة المتعفنة.

ان أوضح مواطن ضعفنا يتمثل، بكون كل الفعاليات الجماهيرية، مركزها خارج إرتريا، وبالضرورة أن يكون مركزها في الداخل، ليس في أستراليا وكندا وألمانيا والسويد وألمانيا وهولندا وبريطانيا، أما الإرتريون في الشرق الأوسط، حدثني عنهم كثيرا ولا عليك الحرج، فهم في سبات أهل الكهف، بإدعاء بأن هذه البلاد تكبت الحرية، هذا زور وبهتان، لأن هناك مجال واسع للتحرك.

إن الزمرة الفاسدة اختطفت السلطة، وهي تمكنت من ذلك بحبك المؤامرات والغدر وبث التضليل وتفعيل القوة العسكرية التي مقابلها يجب نبني قوة عسكرية ندية بالتكاتف والتعاون، ويجب أن لا نحلم بحدوث التغيير دون أن نتسلح بالقوة العسكرية، هذه هي الطريقة الوحيد التي سوف تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح.

 

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

hanan salah  pen

Week news arkokabay2

arkokabay 20140227

forto 2013 1