Thursday, July 16, 2020
Home Opinions سياسة فرق تسد

سياسة فرق تسد

سياسة فرق تسد

محمد عثمان حمد

The policy of divide and ruleوضع أمامك حجر كبير، فطلب منك نقله إلى مكان آخر، ماذا تفعل؟. فيقول القائل، أرفعه وأحمله، وإذا فشلت أدحرجه على نفسه. هذا صحيح، ولكن ذلك يتطلب الكثير من الوقت والطاقات والجهد، ولكن أسهل وسيلة لنقله هي تكسير مكوناته إلى أجزاء صغيرة، ونقل كل جزء على حدا.

هذه هي الفكرة التي تقوم عليها، سياسة فرق تسد والتي تعتمد على تفتيت قوة الشيء إلى أجزاء صغيرة، فتصبح أقل قوة. تعود فكرة هذه السياسة إلى أيام الإسكندر المقدوني والملقب بالأكبر في عام 334 قبل الميلاد،
عندما اجتاح العالم القديم، بلاد الرافدين العراق، ثم بلاد الفارس فوجد مقاومة شرسة، فصعب عليه الأمر فأستشار معلمه أرسطو، فأشار إليه بهذه السياسة
، حتى بلغ أعماق الهند، فحاول أن يطبق نفس السياسة، فأخفق في إحداث الفرقة فيهم فهزم فعاد يجرجر أذيال الهزيمة. أما نيكولا ميكافيلي، هو القائل، مقدما نصيحة لمن يريد أن يصبح حاكما وحيدا متفردا، لا تجعل القوم متحدين، وأحدث الاختلاف والنزاع والبغضاء بين أبناء الشعب، وبهذا تكون سيد عليهم!.

عندما انفصل إسياس عن جبهة التحرير القديمة في بداية السبعينيات  اختفى لفترة في أوكار عالا، ثم انتقل مع الشرذمة هم الذين على شاكلته، إلى وديان وجبال الساحل. في البداية، تقرب بحذر شديد وبخوف وعلى استحياء من قوات التحرير الشعبية، وهو يطلب حماية، فعندما وجدها اطمأن فؤاده، فنظر متمعنا في الأمر، فوجد أن الاختلاف الديني بين المسيحيين والمسلمين، الذي من أجله انشق، كما ادعى، لا يكفي وحده لتفتيت الشعب، فأدرك مبكرا، أن هذا التفريق في المحصلة، سوف لن يكن في صالح فكرته الطائفية، ولكي يغطي على هذه الفرية، وحتى لا يصبح لقمة سائغة، على أساس هذه القسمة، فما كان منه إلا أن خلط الأوراق مخترعا الاختلاف العرقي، فأسس بما يسمى القوميات للشعب، والذي لم يكن في ذلك الوقت يتجاوز تعداده بضع ملايين، نصفه مشرد في السودان وبلاد المهجر، فأطلق على كل جزء هذه المسميات التجرنية والتجري والساهو والعفر والبلين والحدارب والكوناما والنارا وفي مرحلة متأخرة أضاف على ذلك التقسيم الرشايدة، قائلا لا اللغة العربية لغير لهؤلاء!.

 بذلك شق صف الشعب، وأثار الخلافات والانقسامات، فحرض الجزء ضد الجزء، ففرق المجتمع الواحد إلى مجتمعات متناحرة وبث بين بعضها البعض الشكوك والخوف والنزاع، ومع ذلك ظلت الأمور تحت السيطرة، لوجودالعدو الإثيوبي المشترك، ولكن بمرور الوقت، كبر ذلك الجنين فأصبع الصنم الذي يعبد من جميع الفئات.

كان ذلك أيام الثورة، وفي أيام الدولة تمسك ومازال يتمسك إسياس بهذه السياسية المدمرة، بما طرحته من الثمار، لكل فئة لغة، بدلا من اللغتين، لكل فئة ثقافة، مع أن الثقافات واحدة، لأن هذه  الفئات حتى لو بدت مختلفة ظاهريا فهي من بعضها البعض. ومع ذلك، اليوم كما نرى لم يعد غريبا أن تخرج بين فينة وأخرى، ومن كل زاوية في البلد عقول تتبنى هذه السياسة.

هذه السياسة هي التي جعلت من كل فئة تتأنق وتتجمل بهذه الموضة، وتتدثر بهذه العباءة، ولا ترى آخر غير نفسها، وتؤسس لنفسها جبهة أو تنظيم، فكانت النتيجة، أن يتفتت الكيان السياسي الذي هو بالأساس ضعيف وبائس، بين ما يسمى التنظيمات القومية، والتنظيمات الأخرى، حتى وإن كانت تظهر بمسميات وطنية عامة فإنها لا تختلف عن التنظيمات والجبهات القومية بالممارسات والتقوقع والانعزال والضعف، وعلى هذا المناول، كل الفئات الإرترية، تسير في الدرب الذي تسير فيه سياسية إسياس التي وضعت من أجل تفريق وتفتيت قوة  الشعب، فهي التي تعيق تكامل وتوحد قوى الشعب للانعتاق والتحرر من أغلال الاستبداد.

إن الاختلاف الوحيد في إرتريا هو الاختلاف الديني، ولا يوجد غير هذا الاختلاف، والاختلافات الفئوية هي اختلافات مصطنعة،  وهي المائدة المسمومة التي قدمت لفئات الشعب لتتغذى عليها، لتفريق كيان الشعب ليسهل على المستبد حكمههو متفرق ومتفتت، وبذلك وإن بقاء النظام يعتمد على هذه السياسية، وكل ما بقى الشعب منقسما كلما ظل النظام على الرأس السلطة، لأن كل فئة من الشعب سوف تظل منغلقة على نفسها، معتقدة أن ما يقع عليها من الظلم يحدث لها هي فقط، وكل فئة تنتظر حدوث التغيير من الفئات الأخرى، بينما مسئولية خلع النظام هي مسئولية مشتركة، وكل فئة من المجتمع تتحمل مسئولية جزئية من هذا العمل.

إذن، كيف نعكس هذه السياسية؟ إن حل أية معضلة يأتي من داخلها. لذلك، يجب على فئات الشعب أن تدرك أنها من بعض، وأن التغني بهذه الاختلافات ليل نهار لن يجلب لها الفائدة غير أنه يشتت قوتها، وتبقي كل فئة مغلقة ومنعزلة في زاويتها.

قال غاندي، لكي تكون وحدة الشعب فعلية، يجب عليها أن تصمد أمام أقصى أنواع الضغط دون أن تنكسر. والمطلوب توحيد وتكامل القوى، لتوجيهها إلى النظام، وتركيز اهتمام الشعب وحصره بخصم واحد هو إسياس ونظامه.  

ختاما، إن كل من يعلن جبهة أو تنظيم باسمه، إن كان ذلك باسم فئة من الفئات وإقليم من الأقاليم، أو طائفة من الطوائف، فإنه بذلك يعزل نفسه من بقية مكونات المجتمع، وعمله هذا يعيق تكامل قوى الشعب، وأن فعله السياسي لن ينتهي إلى شيء غير أنه بطريقة غير مباشرة يسير في درب النظام.

عيدكم مبارك

Sagga74@hotmail.com

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular

ثلاث رسائل

ثلاث رسائل بقلم / محمد عثمان كونات. الاولى ( لمدرخ ) : .. نقول للاخوة في مدرخ ان يسيروا علي ما هم عليه من سير حاملين هم...

إلى متى هذا البغض من الحكومة الارترية تجاه شعبها؟

إلى متى هذا البغض من الحكومة الارترية تجاه شعبها؟ في الصيف الماضي تفاءلنا كإرتريين "شعب مقهور مضطهد " بقرارات الامم المتحدة حيث صنفت الأعمال التي...

جائزة حرب اليمن

جائزة حرب اليمن بقلم / محمد عثمان حمد توقع الإرتيريون ان حرب اليمن سوف تكون وبالا على الطاغية “إسياس"، وذلك لتوفر الدلائل التي تؤكد وجود اليقين...

كلمة المناضل علي محمد صالح في تأبين المناضل الراحل محمود إسماعيل الحاج

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة المناضل علي محمد صالح في تأبين المناضل الراحل محمود إسماعيل الحاج في يوم الجمعة الموافق 12 فبراير الجاري ودعنا اخا ومناضلا...

Recent Comments