Thursday, July 9, 2020
Home Opinions أسئلة لامبيدوزا

أسئلة لامبيدوزا

أسئلة لامبيدوزا

كان يمشي مسرعاً على الرصيف يكاد يصطدم بمن أمامه لفرط سرعته، وهو في قرارة نفسه لا يستطيع تحديد السبب؛ هل هو تأخره عن الدرس، أم السماء التي بدأت غيومها تتكاثف، منذرة إياه بحمّام سيأتي بالتأكيد، مع نسيانه المظلة، في الوقت غير المناسب. التقط أنفاسه حين وجد نفسه أمام باب المعهد… ((أوووف أخيراً)) قال وهو يفتح الباب، عائداً إلى مستوى سرعته السابق. أمام باب الصف وقف مرة أخرى التقط أنفاسه رتّب الجملة التي سيقولها للأستاذ، حاولَ أن تكون صحيحة،ثم طرقه بهدوء وبوجه باسم سلّم على الأستاذ وأستأذن للدخول، كان الأستاذ مشغولاً فأراحه من عناء اختبار لغته بجملة لا يدري مدى صحتها.
وما استقر على كرسيه حتى التفت إليه الأستاذ قائلاً: أنت عبد القادر الإرتري؟ فاجأه السؤال وأجاب: نعم. أكمل الأستاذ: جاء المدير يسأل عنك، اذهب إلى مكتبه في الاستراحة. قال متعجباً: لماذا؟ بتلك الإجابة البسيطة والمحيرة أجابه الأستاذ: لا أدري. ابتسم ومضى يكمل درسه. وبدأ عبد القادر يحاول الإجابة عن السؤال الذي لم يدر الأستاذ جوابه، عادة لا يكون هذا الأمر بشارة خير هكذا قال لنفسه، حاول استعادة الأيام السابقة وأحداثها لعله يصل إلى نتوء فيها يكون السبب، ليس من سبب، إذن فالانتظار أفضل الحلول وإنها ساعة.

باءت كل محاولاته للعثور على السبب بالإخفاق، قضى ساعة وجسده في القاعة أما روحه فكانت تخفق في الماضي القريب. أمام باب المدير سمّى الله ثم دخل. أحياناً تكون المفاجآت أكبر من كل توقعاتنا. أي يوم هذا! الله يستر. قال وهو خارج من غرفة المدير، وعادت روحه تخفق في رحلة أوسع الآن. هناك جهة أمنية اتصلت بنا طالبة منك الذهاب إليها. هكذا قال المدير، كرر السؤال المتعجب نفسه: لماذا؟ ليرتد الجواب البسيط المحير نفسه: لا أدري. استأذن في الخروج وقد أغرقه المدير في دوامة تساؤلات، إذ هو لا يعرف حتماً ما الذي يعنيه أن تطلب منك جهة أمنية (زيارتها)، لقادم من بلد تحكمه مجموعة من أجهزة الأمن الأخطبوطية، تستطيع لسبب مجهول أن تضعك خلف القضبان، ولسبب مجهول آخر أن تخرجك منها، ولسبب مجهول ثالث أن تطردك إلى بلدك، وهذا الاحتمال الثالث هو الذي كان يتردد صداه بقوة في نفس الطالب …لدرجة أوصلته إلى التساؤل: هل من الحكمة الذهاب إلى المركز الأمني الآن أم أعود إلى السكن، وأنظر في أوراقي الرسمية لعلي ارتكبت خطأ ما فاتني الانتباه إليه. في النهاية قرّ قراره على الذهاب مباشرة، على الأقل هم اتصلوا ولم تأت دورية، لو كان ثمة ما يخيف (لزاروه) هم. التفكير المنطقي قد يفيد أحياناً في هذه الأمور، قال وهو يرفع رأسه إلى السماء خائفاً من سقوط المطر، رغم أنه استعار مظلة من صديقه.

في بلد تهيمن فيه لغة واحدة، وتشعر بأن بين أبنائه واللغات الأجنبية قدراً من العداوة المبهمة، لا يلزمنا قدر كبير من سعة الخيال لكي ندرك ردة فعل الضابط عندما قلت مبتسماً: في بلدنا تسع لغات، لكنني سأحاول التفاهم معها. قلت هذا وقد انزاح عني عبء ثقيل، وشعرت بالانشراح اللذيذ يفعل فعله في مزاجي، رغم صعوبة المهمة لكنها كانت أسهل، إن لم نقل أجمل، من كل الافتراضات التي فكرت فيها في الطريق إلى المقر الأمني، محاولاً وضع إجابات منطقية ومقنعة لكل احتمال مهما كان بعيداً. لماذا وصلتُ بهذه السرعة قلت لنفسي وأنا أرى لافتة المقر الأمني، نظرة الحارس على الباب زادت ريبتي، إنه بالتأكيد ينتظرني، أسقط في يدي حين أوقفني سائلاً: ماذا ستفعل هنا؟ سُري عني قليلاً واستدعيت بعضاً من شجاعتي قائلاً: أنا طالب في معهد تعلم اللغة، وقد اتصلتم بي طالبين مراجعتكم. نظر إلي متعجباً وأشار بيده علامة الدخول. قررت التوجه إلى الشرطي المسؤول عن الإقامات، مقدراً أن لغز الاستدعاء بالتأكيد عنده، فإذا به يأخذني إلى ضابط أعلى منه  رتبة. في المكتب، وبعد أن نظر في جوازي، قال الضابط ببساطة: لدينا هنا سجينة تقول إنها من إرتريا، ونريدك أن تتحدث معها وتترجم لنا ولها الحديث.

ونحن ننزل الأدراج كنت أفكر في حالات التهريب المستمرة كنهر من الآلام لا يكاد ينضب، منبعه في إرتريا، ومصبه في مكان ما على هذه الخريطة؛ ربما بين يدي عصابة، ربما الهلاك بعد فقد الماء في الصحراء، ربما، وياللمفارقة، غرقاً في مياه بحر ما من البحار التي تقسو هي أيضاً على هذه الأجساد الضعيفة والأرواح الخائفة، كأن قسوة البشر لا تكفي! ومصب المحظوظين في المكان الذي خرجوا أصلاً وهم يحلمون به، هذا النهر الحزين كل دفقة فيه بل كل قطرة حياة وحكاية. ابتسمت وأنا أتذكر رغبتي في دخول هذا النهر…ولكن الله سلّم.

في الدهليز حاولت أن أرقّع جملاً من لغتي المهترئة على الطرفين التجري والتركية، شغلني هذا حتى أعادني صوت قرقعة المفتاح في قفل الزنزانة إلى الواقع. في صدر الزنزانة المتوسطة الحجم، سرير ذو طابقين، بنظرة واحدة عرفت بغيتي، كانت في السرير العلوي. وجدتها متكورة على نفسها في زاوية السرير، ويبدو أن الخوف دفعها إلى ذلك عندما دخل الشرطيان التركيان قبلي، تجلٍ من تجليات ذلك الخوف المزمن من أجهزة الأمن في بلادنا، نظرت إليّ بعيون اختلط فيها الخوف بالحذر، أعتقد أنها لم تستطع أن تحدد موقفها مني؛ لعلي أكون تركياً وإلا فكيف أتحدث مع الشرطيين، و لو كانت تعرف التركية لأدركت من رداءة لغتي أن شكلي هو الصادق وأننا في الحقيقة من ذات التراب.

 اقتربتُ من السرير محاولاً افتتاح الحديث معها بجمل غاية في الركاكة من التجري، نظرت إلي بدهشة ولم تجب، فتذكرت أن من أهم (إنجازات) الحكومة في إرتريا أن تجرنة مجتمع غني باللغات، فتحملت مشقة التلفظ بالجملة الوحيدة في جعبتي. هذه المرة هي من اقتربتْ من طرف السرير وقد امتلأت عيناها بالدموع؛ أهي دموع الفرح أم أحزان الغربة أم الخوف، أم شيء لا يدريه إلا من جربه وذاق كأسه إلى ثمالتها! لست أدري. لم تتكلم، حوقلتُ وحوقلتُ، وإذا بمفاجأة جديدة في يوم مليء بالمفاجآت… إنها تعرف العربية، مع سماعي لأولى كلماتها حاولت التركيز واستعمال كل ملكاتي العقلية نظراً وسماعاً وتحليلاً؛ لكي أميز صدقها من كذبها، لماذا خالجتني هذه الرغبة؟ أسأل  نفسي الآن أهي الرغبة في مساعدتها…أم الشعور بالقوة النسبية أمام شخص يمر بأضعف حالاته؟ لا أدري. قالتإن عمرها 25 سنة، وإنها هاربة من ساوا، وإنها أم لطفلين، وإنها ابنة أسمرا، وإنها خائفة، وإنها في النهاية لم تفعل شيئاً ولم ترتكب جرماً.

 لمن كان في مثل حالها التهريب بالطبع ليس جرماً، إنه ربما الأمل الوحيد والنافذة التي تستطيع أن تنظر من خلالها إلى الدنيا. ولكن الأمر بالتأكيد ليس كذلك بالنسبة للشرطيين خلفي، واللذان سألاني ماذا تقول، فحدثتمها بما فهمته منها وبالقدر الذي تعينني به لغتي العرجاء، لمحت في عيونهما نظرة استغراب، ربما لم يفهما كلامي جيداً، وربما لم يفهما لماذا يرمي المرء نفسه في المهالك هرباً من وطنه .

 للزمان ألعابه الخفية يتحدانا فيها بمكر، بالنسبة للعاشقين يتمنيان وقوفه لحظة لقاء، لكنه بلؤم يسرع، أما أنا فقد تمنيت أن لو كان هذا اللقاء غير المنتظر متأخراً، ولو سنة، لعلي كنت أستطعت أن أن أحدثهما بشكل أفضل عن بلاد بعيدة، تبيع شبابها أناشيد حماسية وشعارات وأعلاماً ملونة وتسرق منهم أحلامهم ومستقبلهم، بلاد يرجو كل من فيها الخروج منها، وإلا فأقصى ما يتمناه أن يحيا مثل كلب مدلل عند مسؤول من المسؤولين، أي لغة جدية هذه التي تستطيع أن تشرح لهما أن هناك بلاداً، في عالم اليوم، لا دستور فيها ولا برلمان ولا أحزاب ولاصحافة غير رسمية، وخلال 21 عاماً، هي عمرها وعمر جيل كامل ممن ولد بعد (الاستقلال)، لم تجر فيها ولو لمرة واحدة، ولو بصورة شكلية، انتخابات رئاسية! أأجرؤ أن أقولإن في بلادي جامعة واحدة مغلقة، في حين تبتلع أبواب معسكر ساوا للتدريب العسكري أعماراً كاملة، يدري من يدخل إليه متى تبدأ الخدمة فيه، أما انتهاؤها فهذا أمر آخر للسلطة وحدها حق تحديده بعد سنة  اثنتين ثمانية، على كل حال ماللشباب وللعلم! أوليست السخرة في سبيل (الوطن) خيراً لهم من هراء الجامعات الذي تملأ به رؤوس طلابها! بهذا (المنطق) تدار البلاد التي تفر منها هذه المتكورة على نفسها، لكن كيف أشرح… كيف. أيها الزمان انتصرت عليّ من جديد.

  تحدثا معاً وطلب أكبرهما مني أن أخبرها أنهما لا يريدان بها شراً، فالأمر ببساطة أن الجو بارد والملابس التي ترتديها لا تلائم هذه الأجواء، وقد جاؤوا لها بملابس أثقل. يا لحاجز اللغة!  أخبرتها بذلك، لكن خوفنا الغريزي من كل ما يمت إلى أجهزة الأمن بصلة، ولو كان إحساناً، كان يسكنها، فنظرت غير مصدقة، وعادت إلى حالة الانكماش السابقة، حاولت تسكينها وقلت مبتسماً: هذا كل ما في الأمر. يبدو أنها أطمئنت إلي، لكن صفاء عربيتها ووضوحها أوحيا لي أنها لم تأت من إرتريا،على الأقل مباشرة، وربما مرت بالخليج أو ببلد عربي ما، وبذلك شككت في الرواية كلها، ولا أستبعد أنها الرواية المحفوظة التي يكررها الجميع، لكني احتفظت بهذه الاستنتاجات لنفسي، وأنا أخبر العسكريين المدهوشين أنها تعرف العربية. أعطيناها الملابس وأغلقنا الزنزانة خلفنا، بينما ذهب أحد الشرطيين ليعود بعد قليل مع شرطية من عرب تركيا، إذن فقد انتهى عملي عند هذا الحد، وستكمل الشرطية ما بدأناه.

لكنني طلبت التحدث مع السجينة مرة أخرى، أردت تسكين روعها طالباً منها التعاون مع الشرطة، وأخبرتها بالأهم أنهم لن يؤذوها ولن يضربوها، وأنهم يريدون مساعدتها، ألم يأتوا لها بالملابس الشتوية. وانصرفت عائداً إلى المعهد وقد بدأت السماء تفرغ على الدنيا دموع أحزانها، أو ما بدا لي أنه كذلك.

عدت بعد حين لزيارة السجينة، فأخبروني أنهم أخذوا إفادتها وأطلقوا سراحها، هاااا إذن ليس الأمر كما في بلادنا؛ سجن لمدة ترتبط بمزاج السجان، في مكان لك أن تنتظر أن ترى فيه كل التحولات التي يمر بها الكائن البشري والدنيا، حتى يستحيل الأول حيواناً مفترساً وفريسة، وتستحيل الثانية غابة أين منها غابة الحيوانات! حمدت الله على إطلاق سراحها قافلاً من حيث أتيت.

أعتقد أنها بعد الخروج من السجن أعادت استئناف رحلتها التي توقفت موقتاً في بورصة، وربما تكون قد وُفقت في الوصول إلى الشاطىء الذي أرادت، وربما لا، بل ربما تأخر بها الحال حتى كانت بين موتى لامبيدوزا، لكنها بالتأكيد وُفقت في طرح أسئلتها البسيطة علينا جميعاً: لماذا؟ وإلى متى؟ وما المصير؟ و..أين أنتم؟…    

عبد القادر محمد علي

اسطنبول/ 13-10-2013 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular

فارقة من الزمن

فارقة من الزمن فارقة من الزمن تؤدي احيانا الي نتائج فادحة  كانت انتفاضة اخريا التي جاءت كرد فعل انفعالي لفعل اخر دون تخطيط اي فعل...

ثلاث رسائل

ثلاث رسائل بقلم / محمد عثمان كونات. الاولى ( لمدرخ ) : .. نقول للاخوة في مدرخ ان يسيروا علي ما هم عليه من سير حاملين هم...

إلى متى هذا البغض من الحكومة الارترية تجاه شعبها؟

إلى متى هذا البغض من الحكومة الارترية تجاه شعبها؟ في الصيف الماضي تفاءلنا كإرتريين "شعب مقهور مضطهد " بقرارات الامم المتحدة حيث صنفت الأعمال التي...

جائزة حرب اليمن

جائزة حرب اليمن بقلم / محمد عثمان حمد توقع الإرتيريون ان حرب اليمن سوف تكون وبالا على الطاغية “إسياس"، وذلك لتوفر الدلائل التي تؤكد وجود اليقين...

Recent Comments